د. حمزة العكاليك :-كيف نقل البنك المركزي الأردني قطاع التأمين من غرفة الإنعاش إلى المنافسة العالمية؟

في يونيو 2021، لم يكن البنك المركزي الأردني يستلم مجرد ملف رقابي جديد؛ بل كان يستلم إرثاً مثقلاً بالتحديات وقطاعاً يعاني من ترهل تنظيمي. اليوم، وبعد أقل من أربع سنوات، شهد سوق التأمين الأردنية ولادة جديدة، تُبنى على أسس متينة من الحوكمة الرشيدة والشفافية. هذا التحول الدراماتيكي لم يكن مجرد تغيير إداري، بل كان ثورة حقيقية أعادت صياغة الفلسفة الكاملة للخدمة التأمينية، لتحويل الشركة من خصم محتمل إلى شريك مبادر في الحماية. إنها قصة إصلاح استراتيجي تقوده قبضة تنظيمية حكيمة، مدعومة بحزمة تشريعية طموحة تهدف إلى جعل القطاع الأردني نموذجاً إقليمياً يُحتذى به.
لم يكن نقل الرقابة للبنك المركزي مجرد تغيير في المسمى، بل كان إيذاناً بعصر تنظيمي جديد. فلقد جاء قانون تنظيم أعمال التأمين رقم (12) لسنة 2021 لينقل الصلاحيات الرقابية بشكل كامل للبنك المركزي، مُحولاً هدف الرقابة من مجرد مراقبة شكلية إلى ضمان الاستقرار المالي وتعزيز حوكمة الشركات. فلقد أدرك المشرع أن أزمة القطاع السابقة كانت، في جوهرها، أزمة حوكمة. لذلك، ركز القانون على مفاهيم جوهرية جديدة، مثل فصل الإدارة عن الملكية وتعريف المساهم الرئيسي والمصلحة المؤثرة، لمنع تداخل المصالح الذي كان يستنزف أموال المؤمن لهم.
ولم يتوقف العطاء التشريعي عند هذا الحد، ففي عام 2024، فلق صدر نظام صندوق ضمان المؤمن لهم والمستفيدين (رقم 53 لسنة 2024)، ليشكل شبكة أمان اجتماعية واقتصادية أخيرة تحمي حقوق المتضررين في حال عجز أي شركة عن الوفاء بالتزاماتها. كما شهد نفس العام إصدار أنظمة جديدة للتأمين الإلزامي للمركبات، ونظام معدل للاتحاد الأردني لشركات التأمين لتعزيز دوره الرقابي والتنظيمي الذاتي للقطاع. هذه الحزمة المتكاملة حوّلت البيئة التشريعية من إطار فضفاض إلى نظام متكامل يحمي جميع أطراف العملية التأمينية.
ولطالما كانت الصورة النمطية لشركة التأمين هي كيان بيروقراطي، يضع العوائق أمام العميل ويتعامل مع المطالبات ببطء وتشكك. واما اليوم، وبموجب التعليمات الرقابية الجديدة مثل تعليمات أصول ممارسة المهنة؛ انقلبت الآية. فلم يعد المتضرر هو من يركض خلف الشركة، بل أصبحت الشركة هي التي تتواصل مباشرة معه فور الإبلاغ عن الحادث. هذا التحول من ثقافة التهرب إلى ثقافة المسؤولية هو جوهر الثورة البيضاء في الخدمة.
ولضمان نجاح هذا التحول، لم يعتمد البنك المركزي على القرارات الرقابية فحسب، بل سعى إلى بناء القدرات. ففي يناير 2022، نظم الاتحاد الأردني لشركات التأمين، بالتنسيق مع البنك المركزي، هدف البرنامج إلى تأهيل الكوادر للتعامل بسلاسة مع متطلبات الحوكمة الجديدة، والتحضير لتطبيق تعليمات حوكمة شركات التأمين رسمياً. هذا الجهد يؤكد أن الإصلاح كان شاملاً وممنهجاً يمس البنى التنظيمية والثقافة المؤسسية معاً.
كما واجه البنك المركزي تحدياً كبيراً عند استلامه القطاع: فكيف يمكن تصفية الشركات المتعثرة التي تهدد استقرار القطاع، دون التسبب في صدمة تؤذي المؤمن لهم وتقوض الثقة؟ كان الرد استراتيجياً وحكيماً، ويعكس فهماً عميقاً لدور المؤسسة كحامٍ للاستقرار المالي الكلي.
فبين عامي 2021 و2022، انخفض عدد شركات التأمين العاملة في السوق من 23 إلى 21 شركة، وهو انخفاض يدل على بدء عملية تصفية طبيعية وتدقيق صارم. حيث يتم منح الشركات التي تظهر ضعفاً مالياً فترة لتصويب أوضاعها، ولكن هذه المهلة ليست شيكاً على بياض. فهي تصاحبها عادةً إجراءات تقييدية مشددة، مثل منع الشركة من إبرام عقود جديدة، وتعيين لجان إدارية مؤقتة تشرف عليها الرقابة المركزية مباشرة. وإذا فشلت الشركة في الاستجابة، يأتي قرار التصفية الإجبارية كحل أخير لحماية أموال الجمهور.
هذا النهج التصاعدي يتوافق مع أفضل الممارسات الدولية لجمعيات مراقبي التأمين العالمية، ويضمن عدم انتقال أي عدوى مالية إلى القطاع المصرفي المتشابك مع شركات التأمين. إنه توازن دقيق بين تطهير السوق من العناصر الضعيفة، وضمان استمرارية الخدمة وحماية حقوق الآلاف من حملة الوثائق.
وعلى الرغم من التحديات، بدأت مؤشرات القطاع تظهر تحسناً ملموساً وقوة كامنة. ففي عام 2022، بلغت الأقساط المكتتبة الإجمالية في السوق الأردنية 701.7 مليون دينار مسجلة نمواً بنسبة 9.6% عن العام السابق. والأهم من حجم الأقساط هو تحسن الجودة الفنية، حيث قفزت الأرباح الفنية (داخل الأردن) من 18.3 مليون دينار في 2021 إلى 22.8 مليون دينار في 2022. كما ارتفعت نسبة مساهمة قطاع التأمين في الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.5% في 2022.
هذه المؤشرات الإيجابية لم تكن لتتحقق لولا البيئة التنظيمية الواضحة والشفافة التي أنشأها البنك المركزي. فهي التي تعطي ثقة للمستثمرين المحليين والأجانب، حيث يسمح القانون بتملك أجنبي بنسبة تصل إلى 100% في شركات التأمين. كما أن التركيز على المنتجات المتخصصة، مثل التأمين الطبي الذي يشكل أكثر من ثلث السوق، يفتح آفاق نمو جديدة.
ومع اكتمال الإطار التنظيمي للشركات، تنتقل المعركة الآن إلى مستوى أعمق: حوكمة العلاقة بين الشركة والعميل. هنا يأتي الدور المرتقب لقانون عقد التأمين الجديد، الذي سيحل محل المواد المحدودة في القانون المدني الحالي. من المتوقع أن يركز هذا القانون على: حماية المستهلك وذلك بوضع حد للشروط التعسفية في وثائق التأمين، وفرض استخدام لغة بسيطة وواضحة. وعلى تنظيم دقيق للعلاقة معالجة إشكاليات تاريخية مثل تأخير دفع التعويضات وحق العميل في الإلغاء. وعلى مكافحة الاحتيال بتجريم المطالبات الوهمية وشراء الكروكات بعقوبات رادعة.
ولقد تجاوز قطاع التأمين الأردني مرحلة الغرفة الحمراء ليدخل مرحلة النضج والمنافسة الحقيقية. فالبنك المركزي، من خلال حوكمة رشيدة ورقابة مستنيرة، لم ينقذ القطاع من الإرث المتهالك فحسب، بل وضعه على بداية الطريق الصحيح ليصبح قطاعاً قادراً على جذب الاستثمارات العالمية وخدمة الاقتصاد الوطني. واليوم، يمكن للمواطن أن يثق بأن ورقة التأمين في جيبه هي ضمان حقيقي، وليس وعوداً على ورق. المستقبل هو للأقوى فنياً والأكثر التزاماً بأخلاقيات المهنة، والمستهلك الواعي بحقوقه هو الشريك الرئيسي في استمرار هذه النهضة. اقرأ وثيقتك، واعرف أن هناك عيناً ساهرة في البنك المركزي الأردني لا تنام، ومستقبلاً واعداً للاقتصاد الوطني يرتكز على أسس متينة من الشفافية والحماية.



















