+
أأ
-

لسنا في زمن الاصطفاف بل في زمن الفهم.. الأردن ومعادلات الإقليم الذي يعاد تشكيله

{title}
بلكي الإخباري

ليث القهيوي

لم يعد الشرق الأوسط يُدار بمنطق الاصطفاف التقليدي، ولا تُقرأ تحولاته عبر ثنائيات المحاور الصلبة كما في العقود السابقة. ما تشهده المنطقة اليوم يتجاوز كونه سلسلة أحداث متلاحقة أو موجات تصعيد وتهدئة؛ نحن أمام إقليم يُعاد تشكيله بهدوء محسوب، حيث تتغير القواعد قبل أن يُعلَن عن تغييرها، وتُعاد صياغة موازين القوة دون ضجيج سياسي موازٍ. في مثل هذه اللحظات، لا تكمن المعضلة في تحديد "من يقف مع من"، بل في القدرة على فهم ما الذي يتغير فعلًا، وما الذي يبقى، وكيف تُدار المساحات الرمادية بينهما.

 

 

كشفت التحولات الأخيرة أن المنطقة دخلت مرحلة يمكن توصيفها بـ" السيولة الاستراتيجية ". في هذا النمط من البيئات، لا تتحرك الدول وفق خرائط ثابتة، ولا تُدار الصراعات بقواعد نهائية. فواعل غير دولية تملك قدرة تعطيل توازي أحيانًا قدرة دول، وقوى كبرى لا تسعى إلى الحسم بقدر ما تدير الصراع ضمن هوامش محسوبة، تمنع الانفجار الشامل لكنها لا تُنهي جذور التوتر. ونتيجة لذلك، لم يعد القرار السياسي نتاج تحالفات مُعلنة أو التزامات طويلة الأمد، بل أصبح حصيلة قراءة دقيقة للتوقيت، وحدود القوة، وكلفة كل خيار، في فضاء تتقلص فيه المسافات بين التصعيد والانفجار دون أن تختفي بالكامل.

لسنا، إذن، في زمن الاصطفاف كما اعتدنا أن نصفه، ولا في مرحلة يمكن اختزالها بجداول "مع من" و"ضد من". ما يتشكل في الإقليم اليوم أعمق من التصعيد العسكري وأخطر من التهدئات المؤقتة؛ إنه انتقال بطيء نحو قواعد جديدة تُبنى بهدوء، بينما يظل الخطاب السياسي أسير مفردات قديمة لم تعد قادرة على تفسير ما يجري. لذلك تبدو قراءة المشهد من زاوية الحدث وحده قراءة ناقصة: الحدث يلمع ثم يخفت، أما التحول فيعيد تعريف الممكن والمستحيل، ويغير طبيعة المخاطر حتى في لحظات الهدوء الظاهري.

في لحظات التحول الكبرى، لا تكون الأخطاء الأكثر كلفة هي تلك التي تُرتكب تحت الضغط، بل تلك الناتجة عن قراءة ناقصة للمشهد. التاريخ يُظهر أن الدول لا تسقط دائمًا بسبب قرارات خاطئة، بل أحيانًا بسبب قرارات صحيحة اتُّخذت في توقيت خاطئ، أو بُنيت على افتراضات لم تعد صالحة. أخطر ما يمكن فعله في إقليم يتغير بوتيرة أسرع من قدرة الخطاب السياسي على اللحاق به، هو إدارة المستقبل بأدوات الماضي، أو افتراض أن قواعد الأمس ما تزال تحكم صراعات اليوم.

في هذا السياق المعقد، يقف الأردن أمام معادلة دقيقة. ليس لأن العاصفة بعيدة عنه، بل لأن الجغرافيا تضعه في قلب الحساسية الإقليمية. غير أن ميزة الدولة العاقلة هنا أنها لا تتعامل مع الإقليم بغرائز اللحظة، بل بمنطق إدارة المخاطر. فالجغرافيا معطى ثابت لا يمكن تغييره، والسياسة ليست ترفًا بل أداة توازن، والقوة الناعمة ليست شعارًا بل قدرة على الفهم العميق للتحولات وتوظيفها لتثبيت الموقع بأقل كلفة ممكنة. حين يفقد الإقليم يقينه، تصبح القراءة الهادئة نوعًا من السيادة: تمييز الإشارة من الضجيج، وتقدير ما يستحق الرد وما يستحق الاحتواء، وعدم تحويل كل حدث إلى معركة وجود.

يتراجع، في هذا الإطار، منطق الاصطفاف الصلب. التحالفات باتت أكثر مرونة، أقل أيديولوجية، وأكثر قابلية للانعطاف مع تغير الكلفة أو تبدل سقوف المسموح. قد تتقاطع مصالح أطراف متباعدة في لحظة محددة، ثم تتباعد سريعًا عند تغير التوازنات. القاعدة الجديدة لم تعد "من هو الحليف؟" بقدر ما أصبحت "ما هو الهدف؟ وما هو الثمن؟ وما هو التوقيت؟". من يبني قراره على ثنائيات ثابتة سيجد نفسه يطارد واقعًا يتحرك أسرع من خطابه، ويفرض عليه كلفًا لم يكن قد حسب حسابها.

أخطر ما يهدد الدول في لحظات التحول ليس الانجرار وحده ولا التأخر وحده، بل سوء التقدير. فالانجرار غير المحسوب قد يعني استنزافًا طويل الأمد، والتأخر قد يعني فقدان موقع أو فرصة يصعب تعويضها، أما سوء التقدير فقد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها بسهولة. بين هذه الخيارات مساحة رمادية واسعة تحتاج إلى إدارة دقيقة، لا تُدار بالشعارات ولا بردود الفعل، بل بالحساب الهادئ والتقدير الواقعي للكلفة والعائد.

المستقبل القريب يرجّح استمرار هذا النمط الإقليمي: لا حسم نهائيًا في الملفات الكبرى، بل جولات ضبط إيقاع، ومفاوضات تُدار على وقع رسائل ميدانية، وتوازنات تُختبر قبل أن تُثبت. في هذا السياق، ستزداد أهمية الاقتصاد، والأمن الداخلي، وتماسك الجبهة الوطنية بوصفها عناصر ردع بحد ذاتها، لأن الدول التي تضعف داخليًا تصبح أكثر قابلية للتأثير الخارجي مهما كان خطابها قويًا. كما ستتقدم معركة "المعنى" على معركة "الحدث": من يملك سردية مقنعة وقدرة على تفسير ما يجري، يملك هامش مناورة أوسع وقدرة أكبر على تخفيض الكلفة.

في زمن تتغير فيه القواعد دون إعلان، لا يحتاج الأردن إلى استعراض حضوره بالصدام، بل إلى تثبيت موقعه بالفهم: أن يتحرك حين يكون التحرك مكسبًا محسوبًا، وأن يصمت حين يكون الصمت إدارة ذكية للوقت، وأن يُبقي خياراته مفتوحة دون أن يفقد بوصلته. لم تكن الدول التي نجت من عواصف الإقليم عبر التاريخ هي الأقوى عسكريًا ولا الأعلى صوتًا، بل تلك التي امتلكت القدرة على استشعار التحولات قبل اكتمالها، واتخذت قراراتها بهدوء حين كان الضجيج أعلى من الحقيقة. وفي إقليم يُعاد تشكيله بلا خرائط نهائية، تبقى الدول العاقلة وحدها قادرة على البقاء خارج مفاجآت التاريخ.