من التصعيد إلى فرض الواقع.. المنطقة على أعتاب مرحلة التصعيد الثالثة

د.عامر سبايلة
دخول المنطقة مرحلة المواجهة المباشرة مع إيران، باعتبارها الجبهة الأساسية من بين الجبهات السبع المفتوحة، يعني أن هذه المواجهة تميل نحو الحسم، لا سيما مع انخراط الولايات المتحدة بهذا الحجم العسكري، وهو انخراط يصعب أن ينتهي دون إحداث تغيير حقيقي وجذري في جبهة إيران نفسها. غير أن هذا التطور لا يقتصر على طهران، بل يفتح الباب أمام مرحلة لاحقة ستُدفع فيها الجبهات التي جرى تجميدها مؤقتاً إلى مسار جديد من التصعيد، قد لا يأخذ شكل المواجهات المباشرة، بقدر ما سيكون عملية إعادة ترتيب شاملة، تُحضَّر فيها هذه الجبهات للإغلاق أو لإعادة توظيفها ضمن معادلات مختلفة.
وبمعنى أدق، قد نكون أمام نهاية مرحلة استخدام الجبهات كأدوات ضغط ظرفية، وبداية مرحلة تحويلها إلى وقائع سياسية وأمنية ثابتة، وهو تحول يتجاوز البعد العسكري ليصل إلى جوهر الترتيبات السياسية الإقليمية.
في هذا السياق، تلتقي الرؤى السياسية الإسرائيلية مع الاحتياجات الأمنية، بما قد يقود إلى إعادة رسم الحدود تحت عنوان “الضمانات الأمنية”، مع ما يحمله ذلك من تداعيات سياسية عميقة وطويلة الأمد. فتثبيت واقع جغرافي وأمني جديد بالنسبة لإسرائيل قد يشكّل مفتاح التغيير الأساسي في المرحلة المقبلة، انطلاقاً من نظرية أمنية ترى أن حقبة توظيف الجغرافيا المحيطة للعمل ضد إسرائيل قد انتهت، وأن العودة إليها لم تعد خياراً متاحاً أو مقبولاً.
وقد تُرجم هذا الفهم عملياً على الحدود مع غزة، والضفة الغربية، ولبنان، وسورية، ولا يُستبعد أن يمتد إلى إجراءات أحادية الجانب على الحدود مع الأردن، خصوصاً في ظل الإشارات الإسرائيلية المتزايدة، المباشرة وغير المباشرة، إلى هذا الاحتمال. فإعادة تشكيل المجال الجغرافي لم تعد مسألة أمنية صِرفة، بل تحولت إلى أداة سياسية لإعادة تعريف خطوط الاشتباك وحدود الدولة.
أما المرحلة الثالثة من التصعيد، أي مرحلة التعامل مع الواقع الجديد المتشكّل، فهي الأدق والأكثر حساسية بالنسبة للأردن، نظراً لانعكاساتها المباشرة عليه. ويبرز هنا ملف الضفة الغربية، الذي خضع خلال العامين الماضيين لإجراءات ممنهجة غيّرت الواقع على الأرض، وأسست لبيئة جديدة تجعل من انعكاسات هذا الملف على الأردن أمراً شبه حتمي، سواء على المستوى الديموغرافي، أو الأمني، أو حتى السياسي.
وفي المرحلة الحالية، تتصدر التهديدات الأمنية المشهد: الجنوب السوري بما يحمله من مخاطر انفلات أمني، والعراق واحتمالات تحوله إلى ساحة إضافية للتصعيد، وصولاً إلى الداخل الأردني نفسه، حيث ما يزال استهداف الجبهة الداخلية يُعد التهديد الأخطر في ظل دخول المواجهة الإقليمية مراحلها النهائية، وإعادة توزيع أوراقها.
يواجه الأردن في هذه المرحلة مجموعة من التحديات المعقدة، في مقدمتها وصول التصعيد مع إيران إلى هذه النقطة المفصلية، بما يعنيه ذلك من تحول جذري قادم في بنية المنطقة. فالوصول إلى جبهة إيران يعلن عملياً نهاية مرحلة التصعيد الثانية، والانتقال إلى مرحلة ثالثة يمكن وصفها بمرحلة “إغلاق الجبهات”، لكن عبر فرض واقع جديد، لا من خلال التسويات التقليدية. وهو ما يجعل التحديات المقبلة تتجاوز الخطر الأمني المباشر لتشمل كيفية التعامل مع واقع سياسي وأمني جديد يُفرض على الجميع.
وفي الاستعداد لما هو قادم، قد يتطلب الظرف من الأردن تبنّي استراتيجية مزدوجة، تقوم على متابعة دقيقة لما يجري في الإقليم، بالتوازي مع تركيز جدي على الداخل. ويستدعي ذلك سياسات حكومية تُظهر الدولة ومؤسساتها بصورة قوية وحاسمة في إدارة التطورات الداخلية، دون أن تفقد في الوقت نفسه المرونة السياسية اللازمة لتجفيف منابع الإحباط الشعبي. كما يتطلب الأمر سياسات اقتصادية تخفيفية، وخطاباً حكومياً وازناً يجمع بين رفع حس المسؤولية الوطنية، وبناء رواية محكمة تعزز الشعور الوطني في لحظة مفصلية تمر بها المنطقة، خاصة أن ما بعد السابع من أكتوبر ليس كما قبله، وأن التغيير على الأرض بات واقعاً سيتعيّن على الجميع التعامل معه كأمر واقع لا كخيار

















