رئيس جمعية المؤرخين: "يوم الرواية التاريخية" استجابة لحماية الذاكرة الوطنية

- قال أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة البلقاء التطبيقية، رئيس جمعية المؤرخين الأردنيين ومدير عام المركز الريادي التاريخي للاستشعار الأرشيفي، الدكتور غالب عربيات، إن مبادرة "يوم الرواية التاريخية وحماية السرديات" جاءت استجابة لتحولات متسارعة في صناعة المعرفة وتداولها، وتنطلق من الأردن بهوية وطنية واضحة.
وأضاف عربيات في حديث لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن المبادرة تسعى إلى إعادة الوثيقة والمصدر والسياق إلى قلب بناء الرواية التاريخية، وترسيخ ثقافة التحقق والنقد العلمي، وصون الذاكرة الوطنية والإنسانية من التزييف والاجتزاء، تحت شعار "من الوثيقة تبدأ الرواية"، لافتاً إلى اتساع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي في تشكيل الروايات والصور الذهنية.
وأوضح، أن الرواية التاريخية لم تعد تُنتج داخل الكتب والجامعات ودور الوثائق وحدها، إذ يمكن لمقطع قصير أو صورة قديمة منشورة خارج سياقها، أو نص مولد بالذكاء الاصطناعي، أن يصنع تصوراً عن حدث أو شخصية أو مؤسسة، وقد يكون هذا التصور منقوصاً أو مضللاً، ثم ينتشر خلال وقت قصير بين أعداد كبيرة من المتلقين.
وقال، إن إطلاق المبادرة لم يكن ترفاً ثقافياً أو استجابة لمناسبة عابرة، وإنما جاء نتيجة تحولات عميقة في صناعة المعرفة وطرائق تداول الروايات، لافتاً إلى أن الصراع في عالم اليوم لا يدور على الأرض والموارد والمصالح فقط، بل يمتد إلى الذاكرة والمعنى وتفسير الأحداث وتشكيل صورة الأوطان والمجتمعات والرموز والمؤسسات في وعي الأجيال.
وبين عربيات، أن سرعة انتشار المواد غير الموثقة أو المجتزأة أو الموجهة تفرض إعادة الاعتبار إلى أسئلة أساسية تتعلق بمصدر المادة، ومن أنتجها، والسياق الذي ظهرت فيه، وما غاب عنها، وما إذا كانت هناك وثائق أو روايات أخرى يمكن مقارنتها بها، وهل نكتفي بتصديق كل ما نسمع أو نقرأ أو نشاهد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، أم نبني وعياً قادراً على السؤال والتحقق والمقارنة قبل إصدار الحكم؟.
وأكد، أن الوعي بالرواية الوطنية وصون الإرث والموروث والقيم لا يعني الانغلاق على الماضي أو رفض أي قراءة جديدة له، بل معرفة الماضي من مصادره وفهم سياقه، وإنصاف الذين أسهموا في بناء الدولة والمجتمع ومؤسساتهما، وحضور الأرض والإنسان في السردية الوطنية.
وشدد على أن حماية الرواية التاريخية والسرديات لا تعني فرض رواية واحدة أو إغلاق باب الاختلاف والاجتهاد، أو منح الأشخاص والرموز والمؤسسات حصانة من النقد والمراجعة، مؤكداً أن الاختلاف في تفسير التاريخ مشروع، لكن ينبغي التمييز بين النقد المستند إلى الأدلة، وبين التشويه والاجتزاء وإطلاق الأحكام من دون مصادر قابلة للفحص.
وأشار إلى أن الفضاء الرقمي يشهد تداول مواد تتناول أحداثاً أو رموزاً أو مؤسسات وطنية، قد تحمل في بعض الأحيان أسئلة مشروعة أو معلومات جديدة تستحق البحث، فيما تكون في أحيان أخرى منزوعة من سياقها أو غير موثقة، مؤكداً أن المبادرة تسعى إلى جعل السؤال أكثر علمية، وفحص الإجابة بالوثائق والمقارنة والنقد، لأن "الرواية القوية لا تخشى الوثيقة الجديدة أو المراجعة، وإنما تستفيد منهما في التصحيح والاستكمال".
وقال عربيات، إن جمعية المؤرخين الأردنيين وفرت المظلة العلمية والمؤسسية لإطلاق المبادرة، مستندة إلى خبرتها وصلاتها بالمؤرخين والباحثين والجامعات والمؤسسات الثقافية، فيما جاء إطلاقها برعاية وزارة الثقافة، تأكيداً لأهمية المبادرات المعرفية والثقافية في حماية الذاكرة وتعزيز الوعي الوطني.
وأضاف، أن المركز الريادي التاريخي للاستشعار الأرشيفي يمثل الحاضنة المؤسسية والتنفيذية للمبادرة، ويتولى تطوير رؤيتها وبرامجها ومنصتها ومرصدها، باعتبارها أحد أذرعه المجتمعية والمعرفية، موضحاً أن المركز ينطلق من رؤية جديدة للتاريخ والوثيقة والذاكرة، واستعادة الأحداث إلى النقد والمقارنة واكتشاف العلاقات، والوثيقة من الحفظ والتخزين إلى الاستشعار والتحليل، والذاكرة من مستودع للماضي إلى قوة تساعد على حماية الهوية وفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
وأكد، أن المركز يوظف البحث التاريخي وإدارة المعرفة والتحول الرقمي والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، والتقنية تساعد المؤرخ والباحث ولا تحل محلهما، وأن الحكم العلمي والأخلاقي النهائي يبقى للإنسان، مضيفا أن المركز لا يسعى إلى الحلول محل المكتبة أو الأرشيف أو الجامعة أو المتحف، ولا إلى منافسة اختصاصاتها، وإنما إلى بناء الجسور بينها وربط ما تحفظه من معرفة بالباحث والتقنية والمجتمع.
وبين، أن "الاستشعار الأرشيفي" لا يمثل اسماً جديداً للأرشفة التقليدية، ولا يقتصر على جمع الوثائق ورقمنتها، وإنما يعمل على اكتشاف ما تحمله المصادر من علاقات وأنماط وفجوات ومخاطر، وتوليد أسئلة جديدة تساعد في فحص الرواية التاريخية وحماية السرديات.
وتابع حديثه، أن الوثيقة لا تقرأ بمعزل عن غيرها، وإنما تربط بالشخص والمكان والحدث والصورة والخريطة والصحافة والمخطوط والتاريخ الشفوي، إلى جانب المحتوى الذي ينتجه العصر الرقمي، والذي قد يسهم في حفظ الرواية أو إعادة تشكيلها.
وأوضح أن المبادرة لا تخاطب المؤرخين وحدهم، وإنما تستهدف الباحثين والطلبة والمعلمين والإعلاميين وصناع المحتوى والفنانين والمؤسسات الثقافية والأرشيفية والمجتمعات المحلية والأسر وحملة الذاكرة، بهدف تحويلهم من متلقين للرواية إلى شركاء في اكتشافها وفحصها وتوثيقها وتقديمها.
وقال عربيات، إن الشباب ليسوا بعيدين عن التاريخ، ولذلك تسعى المبادرة إلى مخاطبتهم من خلال الصورة والفيديو القصير والبودكاست والخرائط الرقمية والألعاب والتطبيقات والقصص التفاعلية، مشيراً إلى أن الشباب يمثلون أولوية أساسية للمبادرة، ليس بوصفهم جمهوراً يستمع إلى المحاضرات، بل شركاء في صناعة المحتوى وحماية الذاكرة.
وأضاف: "لا نريد من الشاب أن يردد رواية نقدمها له، بل أن يسأل عنها، ويبحث في مصادرها، ويقارن أدلتها، ثم يعيد تقديمها بلغته وأدوات عصره".
وأوضح، أن الفنانين والعاملين في الدراما والسينما والمسرح والموسيقى والفنون البصرية والصناعات الإبداعية يشكلون فئة محورية في عمل المبادرة، لأن صورة الماضي في الوعي العام لا تصنعها الكتب وحدها، وإنما تسهم في تشكيلها الشخصية الدرامية واللحن واللوحة والصورة والمشهد.
وأضاف، أن المركز يسعى إلى بناء تعاون بين المؤرخ والفنان والكاتب والمخرج والموسيقي وصانع المحتوى، وتوفير الخلفيات التاريخية والوثائق والصور والخرائط التي تساعد على التمييز بين الحقيقة والتفسير والتخييل الفني، ولا سيما في الأعمال الدرامية، مؤكداً أن الغاية مساعدة المبدع على الانطلاق من أرض معرفية صلبة، والجمع بين جاذبية التعبير وأمانة السياق.
وبشأن المرحلة المقبلة، قال عربيات إن العمل سيتجه تدريجياً إلى تطوير منصة معرفية للاستشعار الأرشيفي، تربط الوثائق بالأشخاص والأماكن والأحداث والصور والخرائط والروايات، وتوفر الأدلة والأدوات والمساحات المناسبة للباحثين والمؤسسات والشباب.
وأضاف، أن المركز يعمل كذلك على بلورة مرصد للرواية التاريخية وحماية السرديات، يتابع المواد والروايات المتداولة، ويفحص مصادرها وسياقاتها، ويرصد مخاطر التزييف والاجتزاء وفقدان الذاكرة، ويصدر موجزات وتقارير وتنبيهات معرفية وتوعوية.
وأكد أن المرصد لن يكون سلطة لمراقبة الأشخاص أو الآراء، وإنما أداة علمية لفحص المواد من زاوية المصدر والسياق والدقة، وإظهار الأدلة ودرجة التحقق والكشف عن الاجتزاء، مع فتح الباب أمام المراجعة والتصحيح.
وقال، إن الأولوية في المرحلة المقبلة تتمثل في تثبيت المبادرة في الأردن وتحويلها إلى برامج وشراكات ومحتوى معرفي قابل للقياس، والوصول بها إلى الجامعات والمدارس والمحافظات ووسائل الإعلام والشباب وصناع المحتوى والأدلاء السياحيين.
وأضاف أن التطلع إلى الفضاء العربي والأفق الإنساني سيجري بصورة تدريجية تستند إلى الإنجاز والشراكة والمشروعات الحقيقية، لأن حماية الذاكرة والرواية التاريخية مسؤولية تتجاوز الحدود، ولأن وثائق تاريخ المنطقة موزعة بين مؤسسات وأرشيفات ودول متعددة.
وأكد، أن نجاح المبادرة يتحقق بعدد البرامج والشراكات والمواد الموثقة، وبقدرتها على رفع الوعي بالمصدر والسياق، وإشراك الأجيال في حماية حقها في ذاكرة موثوقة.
وختم عربيات بالقول: "لا نطلب من الناس أن يصدقوا كل ما يسمعون، ولا أن يرفضوا كل ما هو جديد، بل ندعوهم إلى اكتشاف الوثيقة، وفهم السياق، ومقارنة الأدلة"، مؤكداً أن الجمعية شكلت المظلة العلمية والمؤسسية لإطلاق المبادرة، فيما يقدم المركز الحاضنة والمنهج، "فالمبادرة توقظ الوعي، والمنصة تبني المعرفة، والمرصد يحمي الموثوقية، من أجل ذاكرة تصون الهوية وتساعد الأجيال على فهم الحاضر وبناء المستقبل

















