+
أأ
-

سقوط النظام المصرفي في لبنان: قصة ثلاثة عقود من الانهيار المالي

{title}
بلكي الإخباري

كشفت التطورات الاقتصادية الأخيرة في لبنان عن حجم الانهيار العميق الذي أصاب النظام المصرفي، حيث تحولت مدخرات المواطنين إلى أرقام جامدة لا يمكن الوصول إليها، في مشهد يعكس فشل سياسات نقدية استمرت لعقود طويلة. وأظهرت الوقائع أن أزمة المصارف ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات بدأت منذ تسعينيات القرن الماضي، حين اعتمدت الدولة على نموذج مالي هش يقوم على جذب الودائع بفوائد مرتفعة لتمويل عجز الموازنة وتثبيت سعر صرف العملة. وأكد خبراء أن هذا النظام الذي ربط مصير المصارف بمصرف لبنان والدولة، جعل من تدفقات الأموال الخارجية شريان الحياة الوحيد لاستمرار هيكل مالي كان يفتقر إلى أسس الاستدامة.

الهندسة المالية وسياسة تأجيل الانفجار

وبينت التحليلات أن مصرف لبنان لجأ في عام 2016 إلى ما عرف بـ الهندسة المالية، وهي محاولة لتعزيز الاحتياطيات النقدية، لكنها أدت في المقابل إلى زيادة انكشاف المصارف على مخاطر الدولة. وأضاف مراقبون أن هذه العمليات لم تقدم حلولا جذرية للاختلالات الهيكلية، بل ساهمت في ترحيل الأزمات وتأجيل الانفجار الحتمي، مما جعل أموال المودعين رهينة لسياسات نقدية غير مستقرة. وشدد محللون على أن اعتماد النظام على تدفقات مالية جديدة لسداد التزامات سابقة خلق فجوة كبيرة بين الالتزامات الفعلية والسيولة المتوفرة لدى البنوك.

تداعيات إقليمية وتفاقم الأزمة المالية

وكشفت التقارير أن التحولات الإقليمية، لا سيما منذ عام 2011، لعبت دورا محوريا في تسريع الانهيار، حيث تحول لبنان إلى ممر لتوفير العملة الصعبة وسط ضغوط العقوبات الدولية على الجوار. وأوضحت البيانات أن تراجع تدفقات الدولار بعد عام 2019 كان القشة التي قصمت ظهر النظام المالي، مما دفع المصارف إلى فرض قيود صارمة على السحوبات والتحويلات دون غطاء قانوني واضح. وأكد مراقبون أن تلك الفترة شهدت تحول المودعين إلى ضحايا لسياسات مالية أدت إلى تآكل قيمة مدخراتهم وتعدد أسعار صرف العملة في السوق.

انهيار الدولة وتلاشي الثقة

وبينت الأحداث التي تلت عام 2020 أن الحكومة اللبنانية وجدت نفسها أمام نظام مالي منهار، حيث أعلنت الدولة توقفها عن سداد سندات الدين الدولية، وهو سابقة هي الأولى في تاريخ البلاد. وأضافت التقارير أن محاولات إعادة الهيكلة التي طرحتها الحكومات المتعاقبة اصطدمت بخلافات سياسية حادة حول توزيع الخسائر، مما جعل الحلول المقترحة مجرد حبر على ورق. وشدد متابعون للمشهد الاقتصادي على أن غياب التوافق السياسي أدى إلى استمرار الانهيار، مما عمق من معاناة المواطنين الذين فقدوا قدرتهم على الوصول إلى أموالهم.

غضب المودعين ونهاية حقبة سلامة

وكشفت حالات اقتحام المصارف التي تصاعدت في عام 2022 عن حجم اليأس الشعبي، حيث تحولت البنوك من مؤسسات ائتمانية إلى ساحات للمطالبة بالحقوق بالقوة. وأضاف تقرير اقتصادي أن رحيل حاكم مصرف لبنان السابق لم يكن نهاية للأزمة، بل كشف عن ملفات قضائية معقدة واتهامات بالاختلاس والإثراء غير المشروع. وأكد خبراء أن تحميل شخص واحد مسؤولية الانهيار يغفل حقيقة أن الأزمة كانت نتاج منظومة متكاملة شاركت فيها قوى سياسية ومصرفية، مما ترك لبنان يواجه واحدة من أعمق الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث.