د. علي سليم الحموري : إربد 2030: الاقتصاد الأخضر بوابة الشمال نحو التنمية المستدامة

في ظل التحولات الاقتصادية التي يشهدها الأردن، برزت مبادرة "رؤية إربد عاصمة اقتصادية 2030” التي أطلقها مركز دراسات التنمية المستدامة في جامعة اليرموك، كمشروع وطني يعكس توجهاً جديداً نحو تمكين المحافظات وبناء تنمية قائمة على استثمار الموارد المحلية والطاقات البشرية، انسجاماً مع رؤية التحديث الاقتصادي التي تسعى إلى تحقيق نمو مستدام وتنمية متوازنة بين مختلف مناطق المملكة.
وتملك محافظة إربد وشمال الأردن مقومات حقيقية تؤهلها لتكون مركزاً اقتصادياً وتنموياً متكاملاً، ليس فقط على المستوى المحلي، بل على المستوى الإقليمي أيضاً. فالمحافظة تتمتع بموقع جغرافي حيوي، وقاعدة شبابية واسعة، وبيئة أكاديمية وتعليمية متقدمة، إلى جانب تنوع اقتصادي وزراعي وسياحي يجعلها قادرة على لعب دور محوري في دعم الاقتصاد الوطني.
ومن أبرز هذه المقومات، التنوع الحيوي الذي تتميز به محافظة إربد، حيث تضم بيئات طبيعية غنية ومتنوعة، ومساحات زراعية واسعة، وأودية وغابات ومناطق طبيعية تشكل قاعدة مهمة لمشاريع الاقتصاد الأخضر والسياحة البيئية. كما تمثل أشجار الزيتون المعمّرة جزءاً من الهوية البيئية والتراثية لشمال الأردن، وتعكس العمق الزراعي والحضاري للمنطقة.
وتضم المحافظة كذلك العديد من المواقع الأثرية والتراثية، إضافة إلى وجود عدة مدن من مدن الديكابولس التاريخية، ما يمنح إربد بُعداً حضارياً وثقافياً وسياحياً مهماً، ويعزز قدرتها على استقطاب السياحة الثقافية والتاريخية إلى جانب السياحة البيئية والريفية.
كما يشكل نموذج محمية اليرموك مثالاً مهماً على إمكانية الربط بين حماية البيئة والتنمية الاقتصادية والسياحة المستدامة، خاصة في ظل التوجه العالمي نحو دعم المشاريع البيئية والاقتصاد الأخضر.
ومن المقومات الأساسية أيضاً، وجود طاقات شبابية متميزة في قرى الشمال، حيث نجح العديد من الشباب في الترويج للمسارات السياحية والبيئية والتراثية عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، ما أسهم في تنشيط السياحة الداخلية وتعزيز الهوية المحلية للمناطق الريفية.
وفي الجانب الرياضي، قدم نادي الحسين إربد نموذجاً ناجحاً يؤكد قدرة المحافظة على بناء مشاريع تنموية متكاملة. فلم يكن فوز النادي ببطولة الدوري مجرد إنجاز رياضي، بل نجاحاً لمشروع رياضي واقتصادي استطاع أن يعزز الحراك السياحي والاقتصادي في المحافظة، ويؤكد أن الاستثمار في الشباب والإدارة الرياضية الاحترافية يمكن أن يتحول إلى رافعة اقتصادية واجتماعية حقيقية على المستويين الوطني والإقليمي.
وتفتح هذه المقومات المتنوعة الباب أمام مجموعة من المشاريع الاستراتيجية القادرة على إحداث نقلة نوعية في شمال المملكة. ومن أبرز هذه المشاريع إنشاء مطار تنموي ولوجستي يخدم عمليات التصدير الزراعي، خصوصاً منتجات الأغوار الشمالية التي تُعد من أهم السلال الزراعية في الأردن. فوجود مطار متخصص بالشحن والتصدير الزراعي من شأنه أن يعزز كفاءة سلاسل التوريد، ويقلل الكلف الزمنية واللوجستية، ويرفع القدرة التنافسية للمنتجات الأردنية في الأسواق الإقليمية والدولية، خاصة المنتجات الطازجة سريعة التلف.
كما سيسهم هذا المشروع في دعم الأمن الغذائي الوطني، وتحفيز الاستثمار في القطاع الزراعي والصناعات الغذائية، إضافة إلى توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأبناء المنطقة في مجالات النقل والخدمات اللوجستية والتخزين والتغليف والتسويق الزراعي، بما ينسجم مع توجهات رؤية التحديث الاقتصادي نحو تعزيز القطاعات الإنتاجية والتنموية في المحافظات.
كما تبرز أهمية تطوير السياحة البيئية والريفية من خلال دعم البيوت الريفية وبيوت الضيافة، وتنظيم المسارات السياحية، وإقامة منتجعات بيئية مستدامة، بما ينعكس إيجاباً على المجتمعات المحلية ويوفر فرص عمل للشباب والنساء.
ويأتي ذلك بالتوازي مع دعم المنتجات الريفية والحرفية عبر إقامة معارض دائمة ومنصات تسويق حديثة، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالاقتصاد الأخضر.
وتنسجم هذه المشاريع مع استراتيجية التمويل الأخضر التي يعمل البنك المركزي الأردني والقطاع المصرفي على تعزيزها، من خلال توفير أدوات تمويل للمشاريع الصديقة للبيئة والمبادرات المستدامة، خاصة في قطاعات السياحة البيئية والزراعة المستدامة والطاقة النظيفة.
وفي إطار التفكير المستقبلي، يمكن أن يشهد شمال المملكة إقامة مدينة تنموية جديدة على غرار مشروع "مدينة عمرة”، بحيث تكون مدينة ذكية ومستدامة تعتمد على التكنولوجيا والطاقة النظيفة والاقتصاد الأخضر، وتوفر بيئة جاذبة للاستثمار والسياحة والأعمال.
إن ما تمتلكه إربد والمحافظات الشمالية من إمكانات متكاملة يؤهلها لتشكيل إقليم تنموي متكامل قادر على دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة، خاصة في ظل التوجهات الوطنية نحو اللامركزية الاقتصادية وتمكين المحافظات.
وفي النهاية، تبدو "رؤية إربد عاصمة اقتصادية 2030” فرصة حقيقية لإعادة صياغة دور الشمال في الاقتصاد الأردني، وتحويل المقومات الطبيعية والبشرية والثقافية إلى مشاريع تنموية مستدامة تعزز النمو، وتخلق فرص العمل، وتحقق العدالة التنموية.
فالتنمية الحقيقية تبدأ من استثمار الإنسان والمكان، وإربد اليوم تمتلك المقومات التي تجعلها نموذجاً وطنياً واعداً في الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة.
* عضو هيئة التدريس بجامعة العلوم التطبيقية الخاصة
* رئيس جمعية استشراف المستقبل للحقوق البيئية والعدالة المناخية
















