غسان الشواهين يكتب :- المواطنة الصالحة

المواطنة الصالحة في الأردن ليست شعاراً يُرفع في المواسم، بل هي سلوكٌ يومي يسري في تفاصيل الحياة كما يسري الدم في العروق.
هي أن ترى الوطن بيتك الكبير، فتصونه كما تصون حرمة بيتك، وتغار على ترابه كما تغار على أهلك وعرضك.
الأردن ليس حدوداً مرسومة على الورق، هو إرثٌ من الشمم ومسرى للهاشميين وملجأٌ لكل من ضاقت به الأرض.
ثراه الطاهر احتضن الخائف وأطعم الجائع، فصار حقه علينا أن نكون له الأمناء لا الأجراء، وأن نحفظ جميله بالعمل لا بالكلام.
والعلاقة بين المواطن ودولته عقدٌ شريف أساسه الدستور، له فيه حقوق مصونة، وعليه فيه واجبات معلومة لا يُقبل التهاون بها.
فله حق التعليم والصحة والأمن والعمل الكريم، وعليه واجب الحفاظ على هذه المكتسبات وصون المال العام من الهدر والعبث.
المال العام ليس كلأً مباحاً، بل هو مال اليتيم والأرملة والمريض، والمساس به خيانةٌ للأمانة قبل أن يكون مخالفةً للقانون.
وقد أمرنا الله أن نؤدي الأمانات إلى أهلها، والأوطان أولى الأمانات بالرعاية لأنها وعاء الدين والعرض والرزق.
المواطنة تبدأ من أبسط التفاصيل: من ورقة لا تلقيها في الطريق، لأن نظافة الشارع مرآةٌ لنظافة الضمير.
ومن احترام الدور في الصف، لأن النظام ليس قيداً على الحرية، بل هو السياج الذي يحمي حرية الضعيف قبل القوي.
المواطن الصالح لا ينتظر رقيباً من البشر، فرقيبه الأول هو الله، ثم ضميرٌ حيٌ يسائله قبل أن يسائله الناس.
لذلك لا يغش في عمله ولا يؤخر معاملةً ولا يحتكر سلعة، لأن اللقمة حين تكون من حلال تورث البركة في المال والولد.
وهو إذا اشتد الظلام لم يجلس يلعنه، بل يسأل نفسه بصدق: ما الشمعة التي أستطيع إضاءتها الآن؟
قد تكون الشمعة كلمة حق في مجلس، أو أذىً ترفعه عن الطريق، أو يداً تمدها لجارٍ محتاج، فالأوطان تُبنى بصغار الأفعال إذا صدقت.
المواطن الصالح يرى في رجل الأمن أخاً يسهر لينام هو آمناً، وفي المعلم والداً يبني عقول أبنائه، فيحفظ لهما قدرهما.
ويحترم القانون لا خوفاً من العقوبة وحدها، بل إيماناً بأنه الضمانة التي تكفل الحقوق وتمنع تغول القوي على الضعيف.
وحين يحين موعد الانتخاب، فهو لا يراه موسماً للمجاملة ولا سوقاً للمصالح، بل يراه أمانةً ثقيلة وشهادةً سيسأله الله عنها يوم يقوم الأشهاد.
فهو لا يبيع صوته بثمنٍ بخس، ولا يمنحه لمجرد قرابة أو صداقة، ولا يجعله سلعةً في مزاد الوجاهات.
بل يجتهد في اختيار الأقوى على حمل المسؤولية، والأمين على المال العام، والأقدر على خدمة الناس لا خدمة نفسه.
يستهدي بقول الله تعالى: "إن خير من استأجرت القوي الأمين"، فالقوة بلا أمانة بطش، والأمانة بلا قوة عجز، والوطن يحتاج الاثنتين.
ويدرك أن الصوت إذا وُضع في غير موضعه كان خيانةً لمدينته وأبنائها، وأن المجالس لا تُبنى بالنيات الطيبة وحدها، بل بالكفاءة والذمة.
ولا يلتفت إلى دعايةٍ جوفاء ولا إلى وعودٍ كاذبة، بل يسأل عن السيرة والمسيرة، ويحاسب على الماضي قبل أن يصدّق وعد المستقبل.
ولا تحركه عصبيةٌ جاهلية، فالأردن هو العشيرة الكبرى التي تستظل بها كل العشائر وتأوي إليها كل المكونات.
مسلمه ومسيحيه، شركسيه وشيشانيه، بدويه وقرويه، كلهم على هذا الثرى الطهور إخوة، يجمعهم علمٌ واحد ومصيرٌ مشترك.
المواطنة الصالحة أن تفرح لتقدم مؤسسة في وطنك كأنها بيتك، وأن يؤلمك الخلل فيها كما يؤلمك الوجع في جسدك.
وأن تذود عن سمعة بلادك في المجالس كما تذود عن بيتك، لأن كرامة الأوطان من كرامة أهلها.
فلا تنشر إشاعةً تهدم، ولا تردد كلمةً تفتن، بل كن جسراً للمحبة وماءً يطفئ نار الخلاف قبل أن تستعر.
المواطن الصالح لا يكرر السؤال: ماذا قدم لي الأردن؟ بل يبدأ بسؤال نفسه: ماذا قدمت أنا للأردن؟
فالدولة تُعطي بقدر ما يبذل أبناؤها من جهدٍ وإخلاص، وليس في يدها عصاً سحرية تبدل الأحوال بلا عمل.
وهو يستحضر في ضميره مقولة الفاروق عمر بن الخطاب كاملةً حين قال: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".
فيصون كرامة أخيه المواطن ويرفض له الذل والهوان، لأن كسر النفوس هدمٌ لعمود المجتمع، والظلم مؤذنٌ بخراب العمران.
وإذا وقع ظلمٌ من المجتمع أو من بعض أفراده، فإن المواطن الصالح لا يقابله بظلمٍ مثله فيزيد الخرق اتساعاً.
بل يواجهه بالعدل الذي أمر به الدين، وبالقانون الذي ارتضاه الناس، وبالكلمة الطيبة التي تفتح القلوب المغلقة.
وليعلم الجميع أن كل الخلايا النائمة وكل من يعبث بأمن الوطن وسيادته وأرضه، هو عدوٌ لنا إلى يوم الدين، لا مهادنة معه ولا تبرير لفعله.
فأمن الأردن خطٌ أحمر، والمساس به خيانةٌ لا تغتفر، والوطن لا يحميه إلا أبناؤه المخلصون المتكاتفون.
ومن صميم المواطنة الصالحة أن ننأى بأنفسنا وأبنائنا عن المخدرات وكل سلوكٍ غير سليم يهدم الجسد والعقل.
بل نتقرب إلى الرياضة والثقافة والقراءة وتطوير الذات، فالعقل السليم في الجسم السليم، والأمم تنهض بعقول أبنائها.
ولا بد من حملات توعية دائمة لشبابنا، تُبعدهم عن الأفكار الهدامة وصفحات التواصل التي تبث الفتن والنزاعات الطائفية والعنصرية والإقليمية.
فسموم الشاشات أخطر من سموم البطون، والكلمة الخبيثة قد تهدم ما بنته السنون.
وعلينا أن نُذكّر شبابنا دوماً باللحمة الوطنية والالتفاف حول القيادة، فهنا الأردن عشيرةٌ واحدة من شتى الأصول والمنابت.
كلنا الأردن، وهدفنا واحد، وهواؤنا واحد، وماؤنا واحد، وهمومنا واحدة، ومصيرنا واحد، لا يفرقنا لونٌ ولا لهجة.
السعي دائماً يجب أن يكون نحو مستقبلٍ أفضل وفكرٍ نيّرٍ هدفه البناء والبناء وحده، ومواكبة الدول المتقدمة بالعلم والعمل.
فيا عشاق ثرى الأردن الطاهر، هذا وطنكم يناديكم لا بالشعارات، بل بالفعل الصادق الذي لا يطلب عليه جزاءً ولا شكوراً.
كونوا له كما كان الآباء والأجداد: أمناء على حاضره، حراساً على مستقبله، به تسمون وبه يبقى شامخاً لا تهزه الرياح.



















