اروى الظاهر : بين ما يجري… وما يجب أن يجري: الاقتصاد الأردني بعد الحرب

الاستقرار الذي نجح الأردن في الحفاظ عليه ليس نهاية القصة، بل بدايتها. تحويل هذا الاستقرار إلى ميزة اقتصادية يتطلب الانتقال من إدارة الأزمات إلى إعادة تعريف المسار الاقتصادي نفسه. وفي عالم يتغير بسرعة، قد لا تكون المشكلة في غياب الفرص، بل في بطء التقاطها.
حتى الآن، تبدو المقاربة الرسمية واضحة: تثبيت الاستقرار، حماية المؤشرات الكلية، وتجنب أي اهتزاز في الثقة. وهو خيار منطقي في بيئة إقليمية مضطربة. لكن الأرقام تضع حدودًا لهذا النهج؛ نمو اقتصادي يدور حول 2.5–2.7%، بطالة تتجاوز 21%، ودين عام يفوق 110% من الناتج المحلي. هذه ليست مؤشرات أزمة آنية، لكنها تعني ببساطة أن الاقتصاد لا يملك ترف الانتظار.
ما يجري اليوم هو إدارة حذرة للمخاطر. أما ما يجب أن يجري، فهو انتقال محسوب نحو إدارة الفرص.
المشكلة ليست في نقص السياسات، بل في تشتتها. وفي لحظة كهذه، لا تحتاج الدولة إلى المزيد من المبادرات بقدر ما تحتاج إلى اختيارات واضحة ومركّزة. أول هذه الاختيارات يجب أن يكون الرهان على الاقتصاد الرقمي كرافعة سريعة للنمو. فبدل التعامل مع التكنولوجيا كقطاع داعم، يمكن تحويلها إلى قطاع تصديري رئيسي خلال فترة قصيرة. تدريب عشرات الآلاف من الشباب على مهارات رقمية قابلة للتصدير، وربطهم مباشرة بأسواق العمل العالمية، لم يعد خيارًا تنمويًا بعيد المدى، بل أداة فورية لتوليد الدخل وفرص العمل. التجارب الدولية، من الهند إلى الفلبين، تؤكد أن هذا المسار أقل تأثرًا بالصدمات وأكثر قدرة على التوسع السريع.
بالتوازي، لا يكفي الحديث عن تطوير البنية التحتية اللوجستية دون إعادة تعريف دورها. فالأردن لا يحتاج إلى موانئ أفضل فقط، بل إلى نموذج تشغيلي يحوّل موقعه إلى ميزة تنافسية فعلية. تحويل العقبة إلى منصة إقليمية لإعادة التصدير، وتسريع إجراءات التخليص، وربط الخدمات اللوجستية بالصناعة، يمكن أن ينقل الأردن من موقع العبور إلى موقع الفاعل في سلاسل الإمداد التي يعاد تشكيلها اليوم.
في ملف الاستثمار، لم يعد السؤال كم نستقطب، بل ماذا نستقطب—وبأي أثر ملموس على الاقتصاد الحقيقي. فالمرحلة الحالية لا تحتمل التوسع في استثمارات تقليدية محدودة القيمة المضافة، بل تتطلب إعادة توجيه ذكية للاستثمار نحو قطاعات قادرة على التصدير وخلق وظائف نوعية، وفي مقدمتها تكنولوجيا المعلومات، والصناعات الخفيفة، والخدمات العابرة للحدود. هذا التحول يفرض تغييرًا جوهريًا في فلسفة الحوافز، بحيث تنتقل من منطق التشجيع العام إلى منطق مشروط قائم على النتائج: لا إعفاءات دون عقود تصدير واضحة، ولا دعم دون التزام بتوليد فرص عمل قابلة للقياس. وفي هذا الإطار، يمكن إنشاء صناديق تحفيز قطاعية موجهة تعمل كأدوات استثمار ذكية، إلى جانب تشكيل فرق استقطاب متخصصة تستهدف شركات بعينها وفق نموذج (Account-based attraction)، بدل الاكتفاء بالترويج العام. المعيار هنا يجب أن يكون صارمًا وواضحًا: كل حافز يقابله رقم مُتحقق—في الصادرات أو الوظائف—خلال فترة لا تتجاوز 12 إلى 18 شهرًا. وتجربة دول مثل إيرلندا تقدم نموذجًا عمليًا، حيث لم تبنِ نجاحها على حجم الاستثمار بقدر ما بنته على جودة الاستثمار وارتباطه المباشر بالأثر الاقتصادي.
أما الطاقة، فهي الاختبار الأكثر حساسية. استمرار الاعتماد الكبير على الخارج يعني بقاء الاقتصاد عرضة لأي صدمة. والحل هنا ليس في مشاريع طويلة الأمد فقط، بل في خطوات سريعة تقلل التعرض خلال سنوات قليلة، من خلال التوسع في الطاقة المتجددة، وتحفيز الاستثمار في التخزين، وإعادة تصميم نماذج الشراكة مع القطاع الخاص.
في جوهر الأمر، لا يفتقر الأردن إلى الرؤية أو الإمكانات. ما يفتقر إليه—في هذه اللحظة تحديدًا—هو تسريع القرار وتركيز التنفيذ. فالفارق بين ما يجري وما يجب أن يجري ليس فجوة في الفهم، بل فجوة في الجرأة.
ما بعد الحرب لا ينتظر. والاقتصادات التي تدرك ذلك مبكرًا، لا تكتفي بالنجاة بل تعيد كتابة موقعها في الإقليم.
















