+
أأ
-

د. هيفاء ابو غزالة : اتهمونا بالتخلف ودفنوا الطفولة

{title}
بلكي الإخباري

م تكن الحملة على منظومتنا القيمية وثقافتنا وديننا يوما نقاشا بريئا حول التطور والحداثة بل كانت جزءا من مشروع أوسع يستهدف تفكيك المجتمعات من الداخل وتجريدها من أدوات المناعة الاخلاقية .

قيل لنا على المنابر الدولية وفي التقارير الاممية وفي المؤتمرات الثقافية إن نسيجنا الاجتماعي عبء وإن عاداتنا تقيد الحرية وإن منظومتنا القيمية متخلفة ويجب إعادة النظر فيها كي نلتحق بركب الحضارة.

اللافت اليوم وبعد انكشاف الفضائح الكبرى أن الأصوات ذاتها التي رفعت الميكروفون لتحاضرنا عن حقوق الانسان والديمقراطية هي نفسها التي خرجت من تحت عباءتها أبشع شبكات الفسق والاستغلال والاتجار بالبشر وخصوصا بالأطفال.

فضائح إبستين لم تكن حادثة معزولة ولا سقطة فردية بل مرآة صادمة لمنظومة دولية كاملة قدمت نفسها كوصي أخلاقي على العالم بينما كانت ترعى في الخفاء جرائم لا يمكن تبريرها بأي لغة ولا بأي ثقافة ولا بأي دين شخصيات نافذة ،مؤسسات مؤثرة ،ونخب إعلامية كانت تتهم ثقافتنا بالتخلف وتعمل في الوقت ذاته على نشر الانحلال وتطبيع الفسق وحماية المعتدين.

السؤال الذي تفرضه الوقائع اليوم ليس لماذا نتمسك بمنظومتنا القيمية وهويتنا الحضاريةً ونسيجنا الاجتماعي ، بل لماذا استهدفوها بهذا الإصرار ولماذا كان أول ما حورب في مجتمعاتنا هو مفهوم الأسرة والحياء وقدسية الجسد ولماذا ربطوا التقدم بنزع الأخلاق وبالقطيعة مع الدين وبالسخرية من اللغة الأم.

من حارب لغتنا لم يفعل ذلك حبا في التواصل العالمي بل كرها في الهوية ومن هاجم ثقافتنا لم يكن باحثا عن حقوق الانسان بل عن إنسان منزوع الجذور يسهل توجيهه وتطبيعه مع كل انحراف ومن بشرنا بالتحرر كان في الواقع يفتح الأبواب أمام أسوأ أشكال الاستغلال

لقد تم تسمية الفوضى من قبلهم حرية ،وسمي الفسق خيارا شخصيا، وسمي الاعتراض تخلفا، بينما كانت الجرائم الحقيقية ترتكب خلف الستار تحت حماية النفوذ والقانون والاعلام وحين انفجرت الفضائح حاولوا حصرها في أسماء محددة لإبعاد النظر عن المنظومة التي أنتجتها وحمتها ووفرت لها الغطاء الأخلاقي الزائف

الحضارة التي تعادي اللغة وتسخر من الدين وتفكك الأسرة ثم تدعي الدفاع عن الانسان حضارة كاذبة .الحضارة التي تحول الطفل إلى سلعة ثم تحاضر عن الحقوق ليست سوى غطاء للجريمة مهما تجملت بالمصطلحات

لغتنا التي حاربوها حملت قيما واضحة عن الكرامة والحدود والمسؤولية ،ثقافتنا التي شيطنت كانت تقول إن الحرية لا تنفصل عن الأخلاق وإن الانسان ليس جسدا فقط وإن الطفولة أمانة لا مجال للتفاوض حولها.

اليوم وبعد أن انكشف الكثير من المستور يصبح الدفاع عن لغتنا والسيادة الثقافية موقفا أخلاقيا لا رومانسيا ،وفعلا سياديا لا انغلاقا ،ووعيا لا شعارات فارغة. فالمعركة لم تكن يوما بين تقدم وتخلف بل بين قيم تحمي الانسان ومنظومة استغلته ثم حاولت أن تعطيه دروسا في الرقي