أ. د. اخليف الطراونة : الإعلام المسؤول شريك في صناعة السلام

حين نتحدث اليوم عن الإعلام والسِّلم والأمن، فنحن لا نستدعي حلمًا مؤجلًا، ولا نكرر شعارات محفوظة، بل نلامس حاجة ضاغطة فرضتها تحولات قاسية في واقعنا العربي؛ حيث تداخلت مفاهيم الأمن والسلام، وتشابكت الصراعات، وتبدّلت ملامح النظام الدولي. وفي قلب هذا المشهد المربك، لا يقف الإعلام متفرجًا، بل يجد نفسه جزءًا من المعادلة، شاء أم أبى.
طوال سنوات، وُضع الإعلام في خانة "نقل الخبر" أو "عكس الحدث"، لكن التجربة العربية، بما حملته من أزمات وانكسارات، أثبتت أن الإعلام لم يكن يومًا مجرد مرآة. لقد كان –في محطات كثيرة– طرفًا فاعلًا؛ يهدّئ النزاعات أحيانًا، ويؤجّجها أحيانًا أخرى، تبعًا للخطاب الذي يتبناه والزاوية التي ينظر منها.
السلام، سواء على المستوى الدولي أو المجتمعي، لا تصنعه السياسة وحدها، ولا تكفيه الاتفاقيات مهما بدت محكمة الصياغة. هو، قبل أن يكون قرارًا، مشروع وعي. يحتاج إلى خطاب جامع، ولغة عقلانية، وإعلام يدرك حساسية اللحظة وخطورة الكلمة في زمن مضطرب.
في زمن الحروب الهجينة، لم تعد المواجهة تُدار بالسلاح فقط، بل بالعقول وبالوعي العام. وأصبح الإعلام ساحة صراع مفتوحة؛ حيث يمكن لخبر مضلل، أو عنوان متشنج، أو صورة مجتزأة، أن يهز الاستقرار، ويعمّق الانقسام، ويقوّض أي فرصة لبناء السلام.
وقد عشنا، في أكثر من محطة عربية، حالات قُدّم فيها الأمن على حساب السلام، أو رُفع فيها شعار السلام بعيدًا عن العدالة والأمن الحقيقي. وكانت النتيجة غالبًا واحدة: استقرار هش، أو سلام شكلي، أو صراعات مفتوحة تغذّيها سرديات إعلامية حادة لا ترى إلا الأبيض أو الأسود.
من هنا تتضح مسؤولية الإعلام. فهو إما أن يكون أداة لتكريس الخوف والانقسام، أو مساحة لبناء الثقة وإدارة الخلاف بعقلانية. إما أن يضخّم الاختلاف، أو يحوّله إلى نقاش صحي يحترم التعدد ويبحث عن المشترك.
الإعلام المسؤول لا يتجاهل التهديدات، لكنه لا يحوّلها إلى فزّاعات. لا يجمّل الواقع، لكنه يرفض شيطنة الآخر أو بث الكراهية. وهو ليس بالضرورة إعلامًا رسميًا، ولا إعلامًا محايدًا باردًا، بل إعلام مهني في أدائه، أخلاقي في خطابه، واعٍ بتأثير كلمته في مجتمعات تعيش تحت ضغط دائم.
هو إعلام يدرك أن العنوان ليس تفصيلًا، وأن الصورة ليست بريئة دائمًا، وأن المفردة قد تفتح بابًا للحوار، أو تشعل أزمة لا حاجة لها. إعلام يوازن بين حرية التعبير ومسؤولية التأثير، دون وصاية ودون تهور.
الإعلام لا يصنع السلام ببيان، ولا يفرضه بقرار، لكنه يهيّئ المناخ الذي يسمح للسلام أن يولد، ويحميه من الانهيار حين تشتد العواصف. يفعل ذلك حين يواجه خطاب الكراهية، ويعزز ثقافة الحوار، ويبني سردية عربية عقلانية تقوم على المصير المشترك لا على تصفية الحسابات، وحين يمارس نقده للقرار السياسي بوعي ومسؤولية، لا بتحريض ولا بتبرير.
وإذا كنّا جادين في البحث عن تكامل عربي حقيقي، فنحن بحاجة إلى إعلام مختلف؛ إعلام يؤمن أن الأمن والسلام مساران متلازمان لا متناقضان، وأن حماية الوعي لا تقل أهمية عن حماية الحدود.
في النهاية، السلام لا تصنعه السياسة وحدها، ولا يحميه السلاح فقط. السلام يصنعه وعي ناضج، وتحرسه كلمة مسؤولة. ومن هنا، فإن الإعلام المسؤول ليس شاهدًا على التحولات العربية فحسب، بل شريكًا في توجيهها، وحارسًا لعقل هذه الأمة، وخط الدفاع الأول عن مستقبلها

















