ما وراء الثلاثاء الاسود: كيف انهار النظام المالي العالمي واشعل الكساد الكبير

شكل انهيار بورصة نيويورك في ما عرف تاريخيا بالثلاثاء الاسود نقطة تحول مفصلية في مسار الاقتصاد العالمي حيث كانت تلك اللحظة بمثابة الشرارة التي اشعلت فتيل الكساد الكبير الذي القى بظلاله القاتمة على العالم طوال عقود من الزمن. ولم يكن هذا الانهيار مجرد تراجع عابر في اسعار الاسهم بل كان انفجارا لفقاعة اقتصادية ضخمة تراكمت نتيجتها عوامل سلبية كثيرة دفعت بالملايين نحو الفقر والبطالة.
واظهرت البيانات التاريخية ان التراجع بدأ قبل ذلك التاريخ المشؤوم بساعات حيث شهد الخميس الاسود هبوطا حادا بنسبة احد عشر بالمائة في السوق تلاه انهيار مؤشر داو جونز بنسب قياسية خلال ايام معدودة. واوضحت الاحصاءات ان حجم التداول وصل الى مستويات غير مسبوقة بلغت ستة عشر مليون سهم في يوم واحد مما عكس حالة من الذعر الجماعي التي اصابت المستثمرين في ذلك الوقت.
وبينت التقارير ان المستثمرين الذين اعتمدوا على نظام الهامش والاقتراض لشراء الاسهم وجدوا انفسهم محاصرين بمطالبات مالية لا طاقة لهم بها مما دفعهم لبيع ما يملكون بشكل عشوائي. واكد الخبراء ان خسائر السوق تجاوزت ستة وعشرين مليار دولار في غضون اسبوع واحد فقط وهو رقم كان يمثل ثروة طائلة في ذلك الزمن مما ادى الى تآكل الثقة في النظام المالي بالكامل.
جذور الازمة الاقتصادية وتداعيات الانهيار المالي
وكشفت الدراسات الاقتصادية ان الازمة تسببت في انكماش هائل في الانتاج الصناعي بنسبة تقارب سبعة واربعين بالمائة بينما ارتفعت معدلات البطالة الى مستويات مرعبة وصلت في بعض المناطق الى ثلث القوى العاملة. واضاف المحللون ان افلاس البنوك كان السمة الابرز لتلك المرحلة حيث فقد المودعون اموالهم نتيجة غياب الرقابة والضمانات البنكية الضرورية لحماية الاقتصاد من التقلبات الحادة.
واشارت التحليلات الى ان اسباب الكساد لم تكن محصورة في يوم واحد بل كانت نتيجة تضافر عوامل مثل فقاعة المضاربة وضعف القوة الشرائية للعمال مقابل فائض الانتاج الصناعي. واوضح المتابعون ان سياسات الاحتياطي الفيدرالي التي اتسمت بالارتباك اضافة الى الحمائية التجارية وقانون التعريفات الجمركية ساهمت بشكل مباشر في تعميق الجراح الاقتصادية للعالم.
وذكر الباحثون ان ربط العملات بمعيار الذهب حد من قدرة الدول على التدخل النقدي الفعال لمواجهة الانكماش مما جعل الازمة تتمدد كالنار في الهشيم عبر الحدود الدولية. واكدوا ان الازمة لم تجلب فقط الفقر المدقع بل مهدت الطريق لاضطرابات سياسية عميقة غيرت وجه التاريخ في العديد من الدول الكبرى.
مرحلة التعافي والدروس المستفادة من التاريخ المالي
واضافت الاحداث التاريخية ان الرئيس فرانكلين روزفلت حاول مواجهة هذا الواقع المرير من خلال حزمة اصلاحات اقتصادية عرفت بالصفقة الجديدة. وشدد الخبراء على ان هذه التدابير شملت اعادة هيكلة النظام المصرفي واطلاق مشاريع اشغال عامة كبرى لامتصاص البطالة وتحفيز النمو من جديد في اقتصاد كان يلفظ انفاسه الاخيرة.
ووضحت الوقائع ان الكساد لم ينته فعليا الا مع دخول العالم في الحرب العالمية الثانية التي فرضت تعبئة صناعية شاملة اعادت العمال الى المصانع ورفعت مستويات الانتاج. وكشفت هذه التجربة المريرة عن مخاطر الاعتماد المفرط على الديون والمضاربات غير المنضبطة التي لا تزال تشكل تهديدا حتى في العصر الحديث.
واختتم المحللون بالقول ان التاريخ يعيد نفسه دائما في اشكال مختلفة وان انهيارات الاسواق المالية ليست سوى انعكاس لمشكلات هيكلية اعمق في صلب الاقتصاد والمجتمع. واكدوا ان الدرس الاهم من تلك الحقبة هو ضرورة الرقابة المالية الصارمة والسياسات النقدية المتوازنة لتجنب تكرار كوارث مشابهة قد تعصف باستقرار العالم لعقود طويلة.


















