مبادرات بلدية طهران تحت المجهر.. هل تنجح سياسات الدعم في كبح الغلاء؟

شهدت العاصمة الايرانية طهران حزمة من المشاريع التنموية والمعيشية التي اطلقتها البلدية مؤخرا في محاولة لمواجهة الازمات الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها السكان. وتضمنت هذه الخطوات المثيرة للجدل توفير النقل العام بشكل مجاني وتدشين مشاريع اسكان مصغرة اضافة الى تجميد اسعار اثنتي عشرة سلعة اساسية وتقديم باقات دعم للامهات. واثارت هذه التحركات تساؤلات جوهرية حول قدرة البلدية على تحمل الفاتورة المالية لهذه المبادرات ومدى تجاوزها لصلاحياتها التنظيمية التقليدية في ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد.
واظهرت البيانات الاقتصادية الاخيرة ان معدلات التضخم النقدي سجلت ارقاما قياسية تجاوزت تسعين بالمئة في بعض القطاعات بينما قفز تضخم المواد الغذائية الى مستويات غير مسبوقة. واوضح مراقبون ان مشروع صفر تضخم الذي تتبناه البلدية يواجه تحديات كبيرة تتعلق بآليات التمويل وضمان استمراريته في ظل تدهور القوة الشرائية للمواطنين. واكد خبراء ان هذه السياسات قد تساهم في خلق فجوة تنموية بين العاصمة والمدن الايرانية الاخرى مما يثير مخاوف من عدم المساواة في توزيع الموارد والخدمات.
وبين عمدة طهران علي رضا زاكاني في تصريحات صحفية ان البلدية تعمل على طرح السلع الاساسية بأسعار مخفضة تقل عن اسعار السوق بنسب متفاوتة تصل الى خمسين بالمئة عبر سلسلة متاجرها المنتشرة. واضاف ان هذه الخطوة تهدف الى تخفيف العبء المعيشي عن كاهل الاسر الطهرانية وتوفير بدائل عملية لمواجهة غلاء الاسعار الذي ينهش دخل المواطن البسيط. واشار الى ان النظام المتبع يعتمد على التوصيل المباشر للمنازل لضمان وصول الدعم لمستحقيه وتسهيل الحياة اليومية للسكان.
التحديات الاقتصادية والجدوى من الحلول
وشدد الخبير والناشط السياسي يوسف آكنده على ان تجميد اسعار بعض الاصناف لا يعني باي حال من الاحوال القضاء على التضخم الكلي الذي يضرب مفاصل الاقتصاد. واوضح ان التضخم ظاهرة شاملة تتطلب حلولا بنيوية تتعلق بالسياسة النقدية والسيطرة على عجز الموازنة العامة بدلا من الاعتماد على اجراءات مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة. واكد ان ارتفاع اسعار الايجارات وتكاليف الادوية والنقل يظل التحدي الاكبر الذي لا تستطيع مبادرات البلدية المحدودة احتواءه بشكل كامل.
واشار آكنده الى ان الاعتماد على حلول مجانية قد يؤدي الى نتائج عكسية على المدى الطويل خاصة عندما تضطر البلدية لاحقا لرفع الاسعار بعد اعتياد المواطنين على مستويات دعم معينة. وبين ان هذه السياسات قد تخلق ازدواجية مؤسسية مع برامج الحكومة المركزية مما يؤدي الى تشتت الجهود وغياب الشفافية في صرف الاموال العامة. واكد على ضرورة وجود تنسيق مالي واضح بين كافة المستويات الحكومية لضمان عدم تضارب المصالح وضمان المساءلة والمحاسبة.
واكدت مصادر في بلدية طهران ردا على الانتقادات ان مشروع صفر تضخم لا يعتمد على ميزانيات عامة ضخمة بل يتم عبر الشراء المباشر من المنتجين لتقليص هوامش الربح التجاري. واضافت ان استراتيجية العمل تقوم على زيادة حجم المبيعات لتعويض الفارق في الاسعار مما يضمن استمرار المشروع دون الاضرار بالخزينة العامة للبلدية. واوضحت ان هذه الخطوات تأتي كاستجابة ضرورية لظروف الحرب والضغوط الاقتصادية التي تفرض على المؤسسات الخدمية لعب دور اكبر في حماية الامن الغذائي للسكان.
مطالب الشفافية والمسؤولية الاجتماعية
وكشف المستشار السابق في بلدية طهران امير دبيري مهر ان السكان يطالبون بوضوح تام حول كيفية انفاق الاموال الناتجة عن الضرائب المحلية. واضاف ان المشكلة الاساسية التي تواجه العاصمة هي ازمة الاسكان التي تتطلب حلولا جذرية وليس مجرد مشاريع رمزية لا تسمن ولا تغني من جوع. واوضح ان المواطنين يتطلعون الى حلول تلامس احتياجاتهم الفعلية في ظل تراجع مستوى رفاهيتهم نتيجة السياسات الحالية التي تركز على الجوانب الاستعراضية.
وبين دبيري مهر ان البلدية تتلقى ايراداتها من بيع تراخيص البناء التي تزيد من ازدحام المدينة وتفاقم مشاكلها البيئية والعمرانية. واكد ان غياب المشاورات الشعبية قبل اتخاذ هذه القرارات يجعل من الصعب على المواطنين الوثوق في فاعلية هذه المبادرات. واضاف ان مصداقية اي مشروع تنموي تعتمد بشكل اساسي على الشفافية في التمويل والوضوح في الاهداف بعيدا عن الشعارات السياسية التي لا تقدم حلولا ملموسة للازمات المعيشية المتفاقمة.
واكد ختاماً ان المسؤولية الاجتماعية للبلدية يجب ان تتركز في تحسين البنية التحتية وتطوير الخدمات العامة بشكل مستدام بدلا من الدخول في سباق مع التضخم عبر ادوات غير اقتصادية. واشار الى ان نجاح اي برنامج دعم يتوقف على مدى قدرته على كسب ثقة الناس من خلال الشفافية المطلقة والنتائج الملموسة على ارض الواقع. واضاف ان الازمات الحالية تتطلب تكاتف الجهود والابتعاد عن الازدواجية لضمان خروج العاصمة من عنق الزجاجة الاقتصادي.


















