منتدون يعاينون موضوعات تتعلق بمفاهيم الثقافة في الأردن

مساء اليوم الاثنين، في قاعة "الصالون الثقافي" في دائرة المكتبة الوطنية بعمان، قضايا تتعلق بموضوعات ومفاهيم ثقافية في الأردن.
وفي كلمة ألقاها في ندوة حملت عنوان: "مستقبل الثقافة في الأردن"، نظمتها مجلة أفكار التي تصدر عن الوزارة في "الصالون" بمناسبة تدشينه اليوم كحاضنة ثقافية جديدة في "المكتبة"، قال وزير الثقافة مصطفى الرواشدة، الذي رعى الندوة، وتدشين "الصالون"؛ "نلتقي هذا المساء على الإبداع والمعرفة والفكر، في دائرة المكتبة الوطنية، ذاكرة الوطن والصرح الثقافي المهم؛ في صالونها الثقافي الذي نفتتحه اليوم لنطلق الندوة الأولى لمجلة أفكار العريقة، وهي تستشرف الثقافة ومستقبلها في الأردن، بمشاركة نوعية من رموز وقامات خبرت الإدارة الثقافية والكتابة والبحث، من وزراء ثقافة سابقين بتجاربهم الوطنية والإدارية الممتدة، والباحثين المتخصّصين في مداراتٍ من الخبرة والإنجاز".
واعتبر الرواشدة، في الندوة، التي حضرها أمين عام الوزارة الدكتور نضال الأحمد، ومدير عام "المكتبة" فراس ضرابعة، أن هذه الندوة تعد في غاية الأهمية بالكشف والتخطيط ورصد الظواهر، لتقدم لنا أفكارًا ورؤى تشكّل هاديات للعمل معًا على مزيد من الإنجاز والتطوير لعبور المستقبل بخطى واثقة.
وأشار، في الندوة التي شارك فيها وزيرا الثقافة السابقان المهندس سمير الحباشنة والدكتور بركات عوجان والكاتبان إبراهيم غرايبة وسامح المحاريق، وقدمها وأدارها رئيس تحرير مجلة أفكار الدكتور موسى ربابعة، إلى أن تأسيس مجلة "أفكار" عام 1966جاء في سياق اهتمام الدولة الأردنية بالثقافة وأهميتها في بناء الإنسان ذهنًا ووجدانًا، وترسيخ القيم الأردنية بما تحمله من رسائل إنسانية، وفي سياقٍ من الجهود في تنظيم العمل الثقافي وتطويره، إيمانا منها بأنَّ الثقافة ركيزة أساسية من ركائز التنمية الوطنية، من خلال مجلاتها، وهي المنابر الثقافية الدورية والمستدامة التي تعكس النتاج الأدبي والفكري المحلي، وتواكب في الوقت نفسه التحولات الفكرية في العالم العربي.
وقال إن "مجلة أفكار" وهي تحتفي هذا العام بمرور ستين عامًا على صدورها، كانت وما زالت مشعلا للتنوير، وسجلّا للتراث الأدبي المحلّي، حين وثَّقت للتجارب الفكرية والأدبية على مدار الوطن، بمشاركات الكتاب والباحثين والفنانين التشكيليين من داخل الأردن وخارجه، وسجلت حضورها المتميز في الساحة العربية، بما تقدمه من مواد ثقافية وفكرية وملفات متخصّصة، وبما تنشره من مواد للكتاب والمبدعين العرب وباحثيه المتميزين، منوها بالأسماء المبدعة التي ظهرت من خلال المجلة على امتداد ستة عقود، وتكرست وأضاءت وغدت أعلاما بارزة وشواهد حضارية على التميز في مختلف السياقات، وهي سيرةٌ من الثقافة الجادة والدراسات الرصينة، تعكس سردية المكان والزمان والإنسان لتظل المضيئة بالجمال والتنوير.
وفي ختام كلمته، ثمّن مبادرة رئيس وهيئة تحرير المجلة في تنظيم ندوات شهرية مهمة ضمن التأريخ والاهتمام بسردية الأردن ورموزه من المثقفين، وانطلاقًا من دور المجلة في الخروج إلى جمهورها، للتباحث والمثاقفة وتقديم المقترحات للازدهار الثقافي والفكري والبحثي على مدار الوطن.
واستهل المهندس الحباشنة مداخلته، في الندوة التي حضرها عدد كبير من المثقفين والكتاب والاكاديميين، بالقول إن مجلة أفكار منبر وطني ثقافي مهم لها دور كبير في إغناء المشهد الثقافي الوطني.
وأكد أن الثقافة العربية ثقافةٌ واحدة، كما أن الهوية العربية هويةٌ واحدة، جُزئت سياسيًا، لكنها لا تزال هويةً قائمة ماثلة للعيان، والتجزئة السياسية لا تؤدي إطلاقًا إلى تجزئة الهوية.
وقال "نحن نقول "هوية عربية" لأن الحس المشترك والجمعي للعرب تجاه كينونتهم التاريخية لا يزال قائمًا، ويتجلى في لحظات تلقائية وبسيطة دون ترتيب؛ فعندما كان يخوض فريقٌ عربي منافسات المونديال الأخير، كانت الجماهير العربية في كافة الأقطار تلتف حوله وتسانده".
وأشار إلى أن الهوية العربية مدعومة بتاريخ ومعتقد وتقاليد وموروث ولغة، وبرموز تاريخية وسياسية وأدبية واقتصادية، وحتى بالأمثال الشعبية، مؤكدا أن الثقافة العربية هي المرتكز الرئيس وروح الهوية، والمداد المعنوي المتدفق كالسيل الذي لا يتوقف. تُصاغ بالإبداع في أدواته المختلفة؛ كالموسيقى والأدب والشعر والمسرح والموروث الشعبي. وللثقافة بعدٌ معنوي وآخر ميداني.
وقال الحباشنة إن هناك شخصيةً وطنية أردنية مُشتقة من الهوية العربية؛ استلها الأردنيون أستجابة للواقع الجغرافي والسكاني المحدد الذي فرضته التجزئة، وهذه الشخصية -كالهوية تمامًا- لها أبعاد مادية ومعنوية، ويرافقها اشتقاقٌ ثقافي أردني يشكل مدادًا معنويًا لها، وقد ظهر هذا الجهد الإبداعي منذ تشكلت الدولة في مرحلة الإمارة، ثم مرحلة المملكة بعد الاستقلال، لينتج موروثًا وتراثًا وتاريخًا خاصًا بالدولة الأردنية، يقع في جوهره ضمن سياق التاريخ العربي.
ولفت إلى أنه تشكل لدى الأردنيين حسٌ جمعي وذاكرةٌ مليئة بالأحداث الكبرى التي يفتخرون بها، سواء في ميادين القتال أو في مجالات الإبداع والعطاء.
وصُقلت الشخصية الأردنية لتتحول من حالة التغييب الحضاري التي استمرت زهاء 400 عام إبان الحكم العثماني، إلى شعب منتج ومبدع في الثقافة والعلوم.
ونوه بأن الأردنيين اليوم يُشار إليهم بالبنان في مختلف المعارف؛ ونذكر بفخر أن المؤسسات الطبية الأردنية كانت السباقة في زراعة الكلى والقلب على مستوى الوطن العربي، فضلاً عن المنجزات التعليمية والاقتصادية والمتنوعة، حيث يضرب أبناء الأردن في العالم أروع الأمثلة في العطاء.
وقال إن الرابط الوثيق بين الهوية والثقافة، بمعناهما العربي والوطني، يفرض علينا الحذر من النزعات الانعزالية والفكر الذي يحاول تجزئة الأردن وفصله عن عروبته ومداه الجغرافي والتاريخي، مؤكدا أن جزءا لا يتجزأ من أمة وحضارة وهوية واحدة، والاستثناء آيلٌ للزوال لصالح القاعدة التاريخية الجامعة.
كما حذر من تغول الهويات الفرعية على حساب الشخصية الوطنية الأردنية، مؤكدا أن الدولة الأردنية نجحت بشكل استثنائي في صهر أبنائها في حالة من التواد والوفاق الوطني العميق، فتآخت المكونات من مختلف أصولها ومنابتها وأعراقها ودياناتها ومذاهبها وطوائفها وأنضوت جميعها تحت مظلة المواطنة والشخصية الأردنية.
وقال إن الدولة بشخصيتها الوطنية وهويتها وثقافتها المستندة إلى العروبة تزداد قوةً كلما تعززت وحدة أبنائها، ولا توحد للأردنيين إلا بتغليب الشخصية الوطنية ومفرداتها على الهويات الفرعية، عبر حياة سياسية وبرامج مادية وثقافية جامعة، على أن تكون الثوابت الثقافية كهوية الدولة، وتاريخها، وانتمائها، وتوقير الأديان السماوية والدستور والديموقراطية وحقوق الانسان محط إجماع وفوق الخلافات الحزبية والسياسية.
وأكد أن الثقافة هي أسلوب حياة، داعيا إلى عدم الوقوع بدائرة الجمود الفكري لأن الأردن ليس منغلقا وأبوابه مشرعة على كل الثقافات.
وقال الدكتور بركات إن الثقافة مرآة الأمم وبها ترتقي وتزدهر، لافتا إلى أنه تعقد الآمال على أصحاب الفكر والقلم الحر لأنهم ضمير الأمة، كما أن الثقافة هي العنوان والعلامة الفارقة لأي مجتمع وهي الحصن الحصين له.
وأضاف "أننا كعرب أصحاب مشروع ثقافي مغرق في القدم، والأردن جزء رئيس منه" بحكم ما شهدت أرضه من حضارات عديدة وكذلك التنوع الذي شهده الأردن ويشهده.
ونوه بأن الشخصية الثقافية الأردنية ارتبطت منذ تأسيس الإمارة بشخصية المغفور له الملك المؤسس عبدالله الأول الذي اعتنى بالمشروع الثقافي منذ بواكير مرحلة التأسيس من خلال مجلسه الخاص ومشروعات ثقافية شكلت روافع لهذا المشروع.
وتحدث عن التكافل الثقافي وضرورته في رفد العمل الثقافي، مبينا أنه يشكل التضامن بحيث يتحمل كل طرف مسؤوليته.
وأكد على دور كبار السن وما يحفظونه من مخزون شفوي وضرورة التجسير بينهم وبين الجيل الجديد لتحقيق حالة من الانسجام الثقافي.
غرايبة، الذي اعتبر أن الثقافة تمثل سلوكا ونهجا في الحياة، أكد أنها أهم بكثير من مفردات أخرى، لأنه لا معنى لأي مجتمع دون وجود ثقافة له، كما أكد أهمية "المعنى الثقافي" الذي يجمع مختلف مكونات المجتمع.
وقال إن ما نسعى إليه من خلال الثقافة هو أن نضمن أن العمل الثقافي بكل أشكاله يعبر عن ضمير الأمة بافضل وأجمل الأفكار، وأن نضمن كذلك أنها تسهم بتحسين حياة الناس وتساعد الناس بتقييم الأفكار والسلع والموجودات، مؤكدا ضرورة أن تكون ثقافتنا حاضرة وجزءا مهما في زمن العولمة.
المحاريق، الذي استهل مداخلته بمناقشة من هو المثقف، أكد أهمية دور وزارة الثقافة في صناعة الإنسان.
ولفت إلى أهمية رعاية الفعل الثقافي وتمكينه، ودعم البنية الثقافية الرقمية، وثقافة الطفل، وأن تتوازى الثقافة مع التعليم.
كما دعا المثقفين ألا يكونوا عبئا على الإنفاق العام ويتحولوا إلى اقتصاد الإنتاج الإبداعي

















