د.ثروت المعاقبة تكتب : “أكلت يوم أُكل الثور الأبيض… حين تصبح المؤامرة ثقافة عمل”/

في لحظة جديدة وفارقة من حكايات الزمن الجميل، لم يكن سقوط الثور الأبيض مجرد حكاية متوارثة عبر الأجيال، بل كانت إعلانا صريحا عن بداية الانهيار والدمار، لم يؤكل هذا الثور الابيض لأنه الأضعف، بل لأنه ترك وحيدا بلا سند، لم يكن الخطر الأكبر في العدو، بل كان في الصمت الذي ساد الموقف، في التواطؤ الذي تشكل، هي اللحظة التي اختار فيها الآخرون النجاة المؤقتة على حساب الحقيقة هذه الحكاية القديمة تعود اليوم بحلة جديد داخل بيئات العمل، حيث لا تدار بالهمسات والمؤامرات في الظلام، بل خلف مكاتب تبدو في ظاهرها منظمة وعادية.
في بيئة العمل، لا تبدأ المؤامرات بضربة موجه ومباشرة، بل تبدأ بابتسامة زائفة خلفها ألف معنى..... تبدأ بمعلومة تنقل ناقصة، أو كلمة تقال في غير سياقها الصحيح، أو موقف يفسر بطريقة تخدم هدفا خفيا من وراء الكواليس.... فهناك من يتقن فن “الوشاية الذكية”، لا ليصحح خط، بل ليصنع خط جديدا من نوع آخر... هؤلاء الناس لا يعملون بجهد أكبر، بل بدهاء أعمق، يستثمرون في العلاقات الهشة، ويغذون الشكوك، ويزرعون بذور الانقسام بصمت صارخ.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود هؤلاء الأشخاص بيننا، بل في الثقافة التي تسمح لهم بالتمدد والمسؤولين الذين ينصتون لهم بعمق ....عندما يصبح الصمت هو القاعدة الأساسية، والمواجهة مخاطرة، والعدل يؤجل بحجة “الاستقرار”، تبدأ المؤسسة بالتآكل....... يتحول فيها الموظفين إلى جزر معزولة ومنقسمة، يخافون من بعضهم البعض أكثر مما يخافون من الفشل، وتقاس النجاحات ليس بما أنجز من عمل، بل بمن تم إقصاؤه خارج إطار اللعبة.
في هذا المناخ السلبي ، تتشوه المعايير والأسس..... المجتهد يتهم، والصادق يستبعد، والمنافق يكافأ لأنه “مرن” ويعرف كيف ينجو بنفسه، وهنا تكمن المأساة...عندما تصبح القيم عبئا، والمبادئ خطرا، يبدأ الانحدار الحقيقي..... لا أحد يصرخ، لكن الجميع يشعر بأن شيئا ما ينكسر في الداخل.
المؤامرات في بيئة العمل لا تقتل الأفراد فقط، بل تقتل الثقة في مؤسسات الدولة، وهي العملة الأهم .... بدون ثقة، لا يوجد فريق عمل، ولايوجد روح للعمل، وحين تغيب الروح، يصبح العمل مجرد أداء ميكانيكي بلا إبداع، بلا شغف، بلا معنى...وبلا قيمة مضافة.
السؤال كيف نصل إلى لحظة “أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض” دون أن نشعر؟
الإجابة مؤلمة جدا وبسيطة حين نرى الظلم ونسكت ونتغاضى، حين نسمع الوشاية ونمررها دون محاسبة، حين نقصي الحقيقة لأن مواجهتها باهضة، نحن نشارك بشكل أو بآخر في صناعة المؤامرة بكل ما اوتينا من قوة.
الحل اليوم لا يكمن في تبادل الاراء، بل في المواقف التي تحسم كل جدل ... في القدرة على قول “لا” عندما تكون “نعم” أسهل لنا.... تكمن في حماية الغائب كما نحمي أنفسنا بالضبط.... في بناء ثقافة لا تكافئ الذكاء الملتوي، بل النزاهة الواضحة..... القيادة هنا ليست منصبا، بل مسؤولية أخلاقية أن ترى ما لا يقال، وأن تفهم ما بين السطور، وأن تتدخل قبل أن تتحول الهمسات إلى قرارات لا رجعة بها.
لا أحد ينجو طويلًا في بيئة تدار بالمكائد...... قد يربح البعض جولات بسيطة، لكن الخسارة الكبرى تكون للجميع..... لأن المؤسسة التي تسمح بأكل “الثور الأبيض”، ستكتشف متأخرة أن الدور سيأتي على الجميع… بلا استثناء.
حين ترى المؤامرة من حولك وتختار الصمت، لا تظن أنك خارجها…أنت تؤجل دورك......فقط.



















