+
أأ
-

وداد سليم اللصاصمة تكتب :حوار الفكر: د. نواف العجارمة و د. نوفان العجارمة نموذجًا في سمو الاختلاف ووحدة الهدف.

{title}
بلكي الإخباري

في لوحةٍ فكريةٍ نادرة، يتجلى حوارٌ سامٍ بين قامتين علميتين كبيرتين، جمعتهما رابطة الدم، وزادتهما المسؤولية رفعةً ووقارًا؛ فكان الاختلاف بين  الأمين العام لوزارة التربية والتعليم الدكتور نواف العجارمة وبين معالي الدكتور نوفان العجارمة  أشبه بحوارٍ بين مدرستين عريقتين، لا تصطدمان بقدر ما تتكاملان، ولا تتنازعان بقدر ما تُثريان الفضاء الوطني بالفكر الرصين.

لقد نهض الدكتور نواف بدور رجل الدولة الذي يحمل على عاتقه أمانة المنظومة التعليمية، فتكلم بثقة العارف بخباياها، ووعي المسؤول الذي يدرك أن انتظام المؤسسات ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية لضمان استقرار الوطن ومستقبل أبنائه. فجاء طرحه متماسكًا، متزنًا، ينبض بحرصٍ صادق على حماية هيبة الامتحان العام، وصون مسارات الطلبة من أي ارتباك قد يعصف بأحلامهم أو يؤخر خطاهم نحو المستقبل. كان صوته صوت الإدارة العاقلة، التي ترى الصورة الكلية، وتزن الأمور بميزان الدقة والانضباط.

وفي المقابل، ارتقى الدكتور نوفان إلى مقام الحارس الأمين لروح الدستور، فتكلم بلسان القانون الذي لا يعرف المجاملة، ولا يقبل المساومة على الحقوق. فجاءت كلماته مشبعةً بعمقٍ دستوري راسخ، تذكّر بأن العدالة لا تُستكمل إلا بفتح أبواب القضاء، وأن سيادة القانون ليست شعارًا يُرفع، بل مبدأ يُصان. لقد كان صوته تجسيدًا لضمير العدالة، الذي يضع حدودًا لكل سلطة، ويؤكد أن الحق في التقاضي هو صمّام الأمان لأي نظام يسعى للشرعية والاستقامة.

وهنا تتجلّى عظمة المشهد؛ إذ لا نرى صراعًا بين موقفين، بل انسجامًا عميقًا بين رؤيتين: رؤيةٍ إدارية تحمي النظام من التفكك، ورؤيةٍ دستورية تحمي الحقوق من التقييد. فكلاهما، في جوهره، ينطلق من ذات المنبع: الإخلاص للوطن، والحرص على مصلحته العليا. إن اختلافهما ليس إلا دليل عافية، وبرهان نضج، وصورة مشرقة لثقافة الحوار التي ترتقي بالدول ولا تهدمها.

إنهما، بحق، ثنائية فريدة تجسد توازن الدولة الحديثة: ففي نواف تتجلى حكمة الإدارة وهيبتها، وفي نوفان يسطع نور الدستور وعدالته. وما أبهى أن يجتمع في بيتٍ واحد هذا العمق من الفكر، وهذا السمو في الطرح، وهذا الإيمان بأن الحقيقة لا تُفرض، بل تُبنى بالحوار.

هكذا تُصنع القيمة الحقيقية للأوطان…هكذا تُبنى الدول… لا بالصوت الواحد، بل بتعدد الأصوات العاقلة، التي تعرف كيف تختلف دون أن تفترق، وكيف تحاور دون أن تتنازل عن الثوابت، حين يتكلم أبناؤها بعلم، ويختلفون برقي، ويجتمعون على مبدأ؛ فلا يعلو صوتٌ على صوت الحق، ولا تتقدم مصلحة على مصلحة الوطن.