+
أأ
-

د. رائد قاقيش : أطفالنا بين الخوارزمية والدولة .. من التحذير إلى خارطة الطريق

{title}
بلكي الإخباري

إعلان الحكومة عن تشكيل لجنة وطنية لحماية الأطفال واليافعين من مخاطر منصّات التواصل والإنترنت ينبغي أن يُقرأ بوصفه لحظة مفصلية، لا إجراءً إداريًا عابرًا. نحن أمام انتقال محتمل من التعاطي القطاعي مع "مشكلات الإنترنت” إلى التعامل معها كمسألة دولة تمسّ التربية، والصحة النفسية، والأمن المجتمعي، وبنية القيم العامة.

الاختبار الحقيقي ليس في تشكيل اللجنة، بل في التحوّل العقلي الذي يجب أن يرافقها: الانتقال من منطق المعالجة الجزئية إلى بناء نظام وطني متكامل لإدارة المخاطر الرقمية. هذا هو الفارق بين خطوة رمزية وخطوة استراتيجية.

المسألة اليوم ليست تقنية بقدر ما هي سياسية ومؤسسية. السؤال المركزي هو: هل ستتعامل الدولة مع الفضاء الرقمي كخدمة قابلة للتنظيم المحدود، أم ستدرك أنه فضاء يعيد تشكيل المجتمع ويؤثر في تكوين الإنسان، وبالتالي يستدعي سياسة دولة شاملة؟

عنوان "حماية الأطفال من مخاطر المنصّات الرقمية” يجب أن يكون بوابة لمشروع وطني أوسع، لا سقفًا له. المشروع المطلوب يتجاوز الحجب والفلاتر إلى إعادة التفكير في علاقة الدولة بالمجال الرقمي: كيف تُنظّمه، كيف تُراقبه، وكيف تُوازن بين الحرية والحماية، وبين الابتكار والمسؤولية.

الأردن — بوصفه دولة ذات عمق مؤسسي وثقافة سياسية راسخة — لا ينبغي أن يكتفي بحلول ظرفية أو إجراءات شكلية. المطلوب هو بناء منظومة تجعل الحماية الرقمية جزءًا من بنية الدولة، تمامًا كما هي الصحة والتعليم والأمن.

في هذا السياق، يتّضح أن ملف الذكاء الاصطناعي والفضاء الرقمي لم يعد شأنًا تقنيًا هامشيًا. حضور هذه القضايا في صلب الأجندة الوطنية، واهتمام سموّ ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني المتزايد بها، يشيران إلى إدراكٍ بأن التحوّل الرقمي — بما فيه الذكاء الاصطناعي والإنترنت — رافعة استراتيجية لمستقبل التعليم والاقتصاد وبناء الإنسان الأردني.

من هذا المنطلق، ينبغي أن يقوم عمل اللجنة على ثلاث ركائز واضحة:

أولًا: الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة المخاطر.

لا يكفي التدخل بعد وقوع الضرر؛ المطلوب آليات استباقية تحدّد المخاطر مبكرًا، وتبني السيناريوهات، وتضع أدوات الوقاية قبل أن تتحول التحديات إلى أزمات اجتماعية أو أمنية.

ثانيًا: تحويل الحكمة إلى قانون.

الحكمة ضرورية، لكنها غير كافية إن لم تُترجم إلى تشريعات واضحة وقابلة للتنفيذ. لا يمكن ترك حماية الطفولة الرقمية رهينة للنوايا أو الاجتهادات الفردية. نحن بحاجة إلى إطار قانوني صريح ينظّم المنصّات، ويحدّد مسؤوليات مزوّدي الخدمة، ويضع خطوطًا حمراء واضحة، ويمنع التهرّب من المساءلة.

ثالثًا: ربط الرقمنة بمشروع بناء الإنسان.

القضية ليست حماية من المحتوى فقط، بل حماية لعملية تكوين المواطن الأردني. وهذا يستدعي ربط عمل اللجنة بمنظومة التعليم والصحة والرعاية النفسية والتربية القيمية، بحيث لا تبقى الرقمنة ملفًا منفصلًا، بل جزءًا من مشروع وطني لإعداد جيل واعٍ، متوازن، وقادر على التفكير النقدي.

على هذا الأساس، فإن خارطة الطريق المطلوبة ينبغي أن تتضمن — كحدّ أدنى — ما يلي:

1. صياغة استراتيجية وطنية مكتوبة ومعلنة لإدارة المخاطر الرقمية على الطفولة، بجداول زمنية ومؤشرات أداء واضحة.

2. إعداد حزمة تشريعات ملزمة تُنظّم عمل المنصّات، وتحمي القُصّر، وتفرض معايير شفافية ومسؤولية.

3. إنشاء هيئة متخصصة دائمة ذات صلاحيات حقيقية، لا لجنة مؤقتة بلا أدوات تنفيذ.

4. إدماج التربية الرقمية في النظام التعليمي بوصفها مهارة مواطنة أساسية، لا مادة هامشية.

5. آليات مساءلة دورية أمام البرلمان والرأي العام، لضمان أن القرارات تتحول إلى نتائج قابلة للقياس.

ما نطرحه هنا ليس موقفًا معزولًا، بل حلقة في نقاش أوسع حول علاقة الدولة بالعصر الرقمي: نقاش بدأ من التعليم في زمن الذكاء الاصطناعي، ومرّ بسؤال العمر وحدود الوصول إلى المنصّات، ووصل إلى ضرورة إعادة تعريف حوكمة الفضاء الرقمي نفسه. هذه المسارات المتقاطعة تلتقي عند هدف واحد أسمى: أن نحمي الطفل، ونُحصّن التعليم، ونُنظّم الإنترنت، من دون أن نكسر روح الابتكار أو نتجاهل حقيقة العالم الذي نعيش فيه.

حماية الطفولة الرقمية ليست قضية قطاعية، بل قضية دولة. والإنترنت اليوم ليس ترفًا؛ إنه بنية تحتية تُشكّل الإنسان والمجتمع معًا. إن لم تُبنَ الحماية اليوم، فستظهر كلفتها غدًا.