الاب رفعت بدر : افتتاحية باوزيني وصدى رسالة البابا: الرياضة لغة السلام

بدأ حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية أمس في ميلانو وكورتينا بمشهد فني مؤثر، حين أدّت المغنية الإيطالية العالمية لاورا باوزيني Laura Pausini النشيد الوطني الإيطالي بأداء مذهل أخذ الأنفاس وهدى الحضور إلى لحظة وطنية وإنسانية مشتركة حضرها الرئيس الإيطالي وعدد من رؤساء الدول المشاركة. هذا المشهد السلمي جعل من الانطلاق مناسبة احتفالية امتدت رسالتها إلى ما هو أبعد من التنافس الرياضي، لتصبح منصة للحوار والسلام، كما أرادها البابا لاون الرابع عشر في رسالته "الحياة الوافرة".
في رسالته الموجّهة إلى المشاركين والجماهير، يعمّق البابا لاون الرابع عشر فكرة أن الرياضة ليست مجرد لعبة أو صناعة ناجحة، بل مدرسة إنسانية تربوية وروحية قادرة على بناء السلام والتآلف بين الشعوب. يسترجع البابا جذور الهدنة الأولمبية القديمة ويفسّرها كدعوة حديثة لتعليق العنف والتوترات السياسية في فضاءات التلاقي الرياضي، مؤكّدًا أن المباريات والمحافل الرياضية يمكن أن تكون "هدية للإنسانية" حين تُمارس بروح الاحترام والقيم المشتركة.
تركز الرسالة على بُعدين متكاملين: أولًا، القيمة التربوية للرياضة التي تشكّل شخصية الإنسان وتعلّمه الفضائل -انضباط النفس، التعاون، قبول الهزيمة، والاحترام المتبادل- وهي خصالٌ تُقوّي المجتمع المدني وتُفترض أن تتغلغل في السياسات العامة. ثانيًا، البُعد الأخلاقي والاقتصادي، حيث يحذّر البابا من طغيان منطق الربح على الرياضة، ومن تحوّل الرياضي إلى سلعة، داعيًا إلى نظام يجعل الكرامة الإنسانية محور النشاط الرياضي ويجعل الفرص متاحة للجميع، بمن فيهم الفئات الضعيفة واللاجئون وذوو الاحتياجات الخاصة.
تتجاور في نص الرسالة دعوات ملموسة: استعادة روح الهدنة الأولمبية كرمز للسلام، تعزيز الرياضة الشعبية والتعليمية في المدارس والأحياء، ودعم المرافقة الرعوية والتربوية للرياضيين عبر مؤسسات محلية وكنسية. كما يطرح البابا رؤيةً واضحة لمنافسة عادلة تحترم القوانين وتواجه الفساد والمنشطات، وتحوّل الساحة الرياضية من ميدان استعراض إلى فضاء لقاء إنساني.
الحفل الافتتاحي وباوزيني وغيرها من الفنانين العظام، ومنهم طبعا الأسطورة أندريا بوشيلي، والحضور الدولي الرفيع، واظهار الأناقة الايطالية في حفل ألعاب ميلانو–كورتينا الشتوية، بالاضافة إلى عروض سلاح الجو الإيطالي المميّزة، ترمز جميعها إلى أنّ الرياضة عالمية بطبيعتها وقادرة على جمع الثقافات. استجاب الكثيرون لنداء "الحياة الوافرة" التي فهمها البابا على أنها امتلاء وجودي يتجاوز الانتصارات: مشاركة واحترام وفرح بالسير معًا. إذا التزم المجتمع الدولي بهذه الرؤية، فإن الألعاب الشتوية ليست فرصة للاستهلاك الإعلامي فحسب، بل لحظة مفصلية لتأكيد أن الرياضة، عندما تعبّد طريقًا للسلام والعدالة، تصبح فعلًا إنسانيًا مقدورًا عليه في عالم مشتت وعنيف في أكثر من بقعة من الأرض.
باوزيني على فكرة احترفت الغناء منذ السابعة عشرة من عمرها ، وكانت قادمة من عائلة فقيرة، وما حفزها للسير في هذا الدرب الفني الرائد، هو رغبتها الجامحة بمساعدة أهلها والوقوف الى جانبهم، في ضائقتهم المالية، وها هي بفنها المتلزم والراقي، طوال عقود من الزمن، وغنائها بالايطالية والاسبانية والبرتغالية والانجليزية، تؤكد أنّ الفنّ بمقدوره أن يوحد العالم على قيم العدالة والمحبة والسلام.
ونختم بما قالته في الحفل سفيرة الأمم المتحدة وابنة جنوب افريقيا Charlize Theron على لسان رئيسها الأسبق نيلسون مانديلا: "السلام ليس مجرد غياب الصراع؛ السلام هو خلق بيئة يستطيع فيها الجميع الازدهار، بصرف النظر عن العرق أو اللون أو العقيدة أو الدين أو الجنس أو الطبقة أو الطائفة أو أي علامات اجتماعية أخرى للاختلاف



















