+
أأ
-

د.ثروت المعاقبة : "الساعة الضائعة

{title}
بلكي الإخباري

في حياة الإنسان هناك ساعةٌ خفية لا تُسمَع دقّاتها أبدا ، ولكنها تُغيّر المصير.…

فهي ليست ساعةً تُعلّق على الجدران، بل لحظة تمرّ من العمر… نؤجّلها ظنًّا منا أنّها ستعود، فتغيب إلى الأبد...... بلا رجوع.

بين التسويف والانتظار، تضيع الفرص والمكاسب، بلا سابق إنذار وبلا احساس.…

هذه قصة عن زمنٍ لم يخن أو يخذل أحدًا، بل عن بشرٍ أساءوا فهمه...فندموا…

قصة الساعة الضائعة، حين يتعلّم الإنسان متأخرًا أن الوقت لا يُهدَر دفعةً واحدة، بل يُسرق دقيقةً بدقيقة ويوما بيوم..

وسنبدأ الحكاية التي توضح معاني يجب أن ننتبه لها في حياتنا ونعير لها اهتماما فائقا وإلا ستكون النتائج كارثية .....في أحد أيام الشتاء البارد، جاء إلى الحكيم شابٌ يُدعى محمد، يحمل في وجهه حسرة كبيرة تشبه من فقد شيئًا لا يُعوّض جلس أمام الحكيم بصمت طويل، ثم قال:

“ أيها الحكيم … ضاعت مني فرصة لن تتكرر أبدا...... كنت أستطيع التقدم لمنحة دراسية حلمت بها لسنوات، لكنني أجلت تعبئة الطلب يومًا بعد يوم… حتى أغلق الموعد. ...الآن أشعر أن الوقت هو الذي انتقم مني...فإنني الآن مثقل بالهموم ....أشعر أن حياتي بلا معنى.”

ابتسم الحكيم ابتسامة هادئة، وقال:

“تعال معي يا بُني فهناك الكثير لتعرفه.....هذه البداية فقط.”

أخذه الحكيم إلى غرفة صغيرة في منزله، فيها ساعة على الجدار قديمة جدا وتوقفت عقاربها منذ زمن طويل..... وقف أمامها الحكيم وقال:

“ما رأيك بهذه الساعة؟”

قال الشاب:

“توقفت… لم تعد تعمل الآن ...ربما هي بحاجة لإصلاح.”

هزّ الحكيم رأسه وقال:

“وهذا ما يحدث لمن يظن أن الوقت ينتظره. الساعة لا تتوقف… نحن الذين نتوقف ونهدر الوقت.”

ثم أخرج من درجٍ صغير ساعة رملية، وقلبها أمام الشاب..... بدأ الرمل ينزل ببطء شديد.

قال الحكيم:

“كل حبة رمل هي فرصة في هذه الحياة...... لا تسمع لها الآن صوتًا، لكنها تنزلق وتنتهي ولن تعود مجددا.... وهكذا الساعات الضائعة لا تُعوّض، لأن الزمن لا يعود إلى الأعلى....فكن حذرا يا بني.”

جلس الشاب يتأمل الرمل المتساقط، فاقترب منه الحكيم وسأل:

"هل تعرف لماذا يضيع الناس فرصهم؟

ليس لأنهم لا يملكون الوقت…. بل لأنهم يظنون دائمًا أن لديهم المزيد منه."

ثم أخذ الحكيم حفنة رمل أخرى ، وتركها تتسرب من بين أصابعه.

“انظر… لا تستطيع أن تسترجع حبة واحدة. هكذا الفرص… إن لم تمسك بها في لحظتها، انزلقت من يديك...فاحرص على اغتنام الفرصة.”

تنهد محمد وقال:

“أشعر أنني أضعت الكثير...فماذا أفعل.”

ابتسم الحكيم وقال:

“الخسارة الحقيقية ليست في الفرصة التي ضاعت… بل في الفرص القادمة التي قد تضيع بالطريقة نفسها.... تعلم الدرس، وانهض من جديد، فالوقت الذي مضى لا يعود، لكن الوقت الذي سيأتي ينتظر من يفهم قيمته...ويجتهد.”

ثم وضع الحكيم يدَه على كتف الشاب وقال:

“يا بني… اغتنم الساعات قبل أن تُصبح قصصًا تُروى..... فالعمر ليس في عدد الأيام… بل في كيفية استثمارها بالشكل الأمثل.”

عاد محمد من عند الحكيم وقد فهم ما لم يفهمه طوال حياته:

أن الزمن لا يعاقب أحدًا… نحن فقط من نُهمل لحظاته ...ونعاقب أنفسنا.

التسويف دائما يسرق منا الفرص بصمت، وأكثر ضحاياه من يعتقدون أن لديهم "وقتًا لاحقًا".

الوقت يمضي سواء تحركت أم لا، لكنه لا ينتظر أحدًا.…

الفرصة التي تضيع تُصبح درسًا...إما أن نتعلم أو نتعثر طوال حياتنا.

العمر يُقاس بما حصلنا علية من تحقيق للأهداف… واغتنام للفرص

من فهم قيمة الساعة… تغيّرت حياته للأبد.