عدالة منزوعة السياسة

معتصم وليد هويمل
أكتب هذا الموقف بصفتي عضوًا في الحزب الديمقراطي الاجتماعي، لا انطلاقًا من خصومة شخصية، بل من موقع الخلاف الفكري الضروري داخل أي تنظيم يدّعي الانتماء إلى اليسار. فالحزب الذي يتجنب النقد يتحول سريعًا إلى جهاز، والجهاز مهما حسنت نواياه ينتهي متكيفًا مع الواقع بدل السعي لتغييره.
هذا الخطاب لا يعكس مشروعًا ديمقراطيًا اجتماعيًا جذريًا، بل يقدم صيغة مخففة لإدارة الأزمة الاجتماعية، من دون الاقتراب الجدي من علاقات القوة التي أنتجت هذه الأزمة أصلًا.
تُطرح العدالة الاجتماعية كما لو كانت مسألة توزيع محايد للفرص والموارد، في حين يتم تجاهل أن الحرية السياسية شرط أساسي لأي عدالة حقيقية. من دون حرية التنظيم، وحرية الصراع الاجتماعي، وحرية مساءلة الدولة، تتحول العدالة إلى أداة لضبط الفئات الشعبية لا لتحريرها.
الديمقراطية الاجتماعية تاريخيًا لم تُبنَ عبر برامج تقنية، بل عبر صراع طبقي منظم. وأي خطاب يتفادى هذا الصراع، مهما استخدم مفردات يسارية، يبقى خطابًا يخدم مصالح برجوازية.
القول إن ليس كل من يحمل رقمًا وطنيًا هو مواطن لا يشكل نقدًا للمحاصصة، بل يعيد إنتاج منطق الإقصاء بلغة جديدة، من منظور يساري، المواطنة أداة بيد الفئات الشعبية في مواجهة الدولة، لا وسيلة تستخدمها الدولة لتأديب المجتمع.
ربط المواطنة بالسلوك -الصحيح- أو بنبذ الهويات الفرعية يعكس خوفًا من التعدد، ويحوّل الحزب من قوة تمثيل اجتماعي إلى سلطة أخلاقية تراقب المجتمع.
الحديث عن تكافؤ الفرص في ظل اختلال بنيوي هو وهم ليبرالي تقليدي، لا يمكن افتراض مساواة بين من يملك ومن لا يملك، وبين من يرث الامتياز ومن يرث الحرمان.
العدالة الاجتماعية لا تعني إطلاق سباق مفتوح بين غير متساوين، بل تعني تغيير قواعد السباق نفسها. وإلا تحوّل الحزب إلى جهة إرشاد اجتماعي لا إلى حركة تغيير.
القانون ليس كيانًا مجردًا أو محايدًا، بل أداة سلطة، القانون الذي لا ينبثق من ميزان قوى ديمقراطي، ولا يخضع لرقابة شعبية حقيقية، لا يحمي الفئات الفقيرة بل ينظم إخضاعها،
وتمجيد سيادة القانون من دون طرح سؤال من يضعه ولصالح من يُطبَّق، هو نوع من التقديس السياسي للقانون، لا تعبير عن يسار ديمقراطي.
اعتبار التعليم المسار الوحيد للارتقاء الاجتماعي يبرر بشكل غير مباشر استمرار التراتبية الطبقية، ففي ظل اقتصاد غير عادل، يعيد التعليم إنتاج الفوارق بدل أن يحدّ منه، المطلوب ليس مطالبة أبناء الطبقات الشعبية بالصبر والدراسة، بل تغيير الشروط المادية والاقتصادية التي تتحكم بمصائرهم.
توصيف الحزب بوصفه القوة التغييرية الوحيدة لا يعكس ثقة سياسية، بل نرجسية تنظيمية، اليسار الحقيقي لا يحتكر التغيير، بل يبنيه مع المجتمع، ومع الحركات الاجتماعية، ومع الصراع، لا من فوقها.
كل تنظيم يدّعي أنه البديل الوحيد ينزلق تدريجيًا إلى نسخة سلطوية، حتى لو حمل خطابًا يساريًا.
إما أن يكون الحزب أداة صراع من أجل الحرية والعدالة والتضامن، أو يتحول، حتى بحسن نية، إلى حزب لإدارة الفقر باسم العدالة، الديمقراطية الاجتماعية ليست خطابًا توافقيًا يطمئن الدولة، بل مشروعًا يصطدم معها حين تنحاز ضد الناس.
وأي يسار بلا حرية، وبلا صراع اجتماعي، وبلا انحياز طبقي واضح، لا يكون يسارًا،، بل إدارة محسّنة للظلم القائم، وإن الطرح الذي يقول أن الديمقراطية الاجتماعية تقوم على المواطنة وتكافؤ فرص وسيادة القانون، ليس طُرح ديمقراطية اجتماعية بالمعنى اليساري، بل مقاربة إدارية للفقر بلبوس أخلاقي.


















