الاستلاب الوظيفي لوزارة البيئة: من السيادة التقنية إلى البيروقراطية الخدمية

كتب الناشر - تتجلى في الأفق الإداري المعاصر ملامح أزمة هوية تعصف بوزارة البيئة، حيث تشير القراءات التحليلية للمشهد المؤسسي إلى انزياح خطير في طبيعة المهام والمسؤوليات، مما جعل الوزارة تخلع ثوبها العلمي التخصصي لترتدي جلباب "الإدارة المحلية" في ممارسة ميدانية يغلب عليها التبسيط الإجرائي.
اختزال الفعل البيئي في مراقبة رمي القمامة من نوافذ المركبات أو التركيز الحصري على حملات النظافة العامة يمثل ارتداداً عن المفهوم الاستراتيجي للإدارة البيئية الكلية، وتحويل الوزارة من جهة سيادية ترسم السياسات العامة وتحمي النظم الإيكولوجية إلى ذراع رقابي ثانوي يؤدي أدواراً هي في الأصل من صلب اختصاص البلديات والجهات الخدمية.
هذا التداخل في الصلاحيات لا يعدو كونه استنزافاً للموارد البشرية والمالية في ملفات هي "الأقل خطراً" في سلم التهديدات البيئية المعاصرة، مما يرسل إشارات ضمنية، وربما مقصودة، تهدف إلى التمهيد لدمج هيكلي مستقبلي يذيب خصوصية الوزارة الفنية داخل أروقة وزارة الإدارة المحلية.
التحدي الحقيقي الذي يواجه الدولة اليوم ليس في كيفية جمع النفايات الصلبة، بل في الغياب المقلق للبرامج النوعية التي تتصدى للتلوث الكيميائي العابر للحدود، والإدارة الاستباقية للنفايات الخطرة، ورصد الانبعاثات الإشعاعية عبر منظومات إنذار مبكر فائقة الدقة. فبينما تنشغل الكوادر في ملاحقة التجاوزات السلوكية البسيطة، تظل ملفات التلوث الضوضائي الذي يفتك بالصحة النفسية والإنتاجية الحضرية، والرقابة على المفاعلات والمصادر المشعة، والتدقيق في التدفقات الكيميائية الصناعية، مجرد نصوص في أدراج التشريعات دون برامج تنفيذية تضاهي التطور التكنولوجي العالمي.
استعادة وزارة البيئة لدورها الريادي تقتضي فك الارتباط الوظيفي مع المهام البلدية، والتحول نحو "الأمن البيئي" بمعناه الشامل، الذي يرتكز على النمذجة الرياضية والرقابة الفنية الدقيقة، بدلاً من الغرق في تفاصيل إدارية يومية جعلت من الوزارة مجرد مراقب للشارع بينما تئن الأنظمة الحيوية تحت وطأة ملوثات غير مرئية وأكثر فتكاً.
















