+
أأ
-

م. معاذ المبيضين يكتب : صدمة السيادة: هل تُعيد "الترامبية" صياغة الهوية الاستراتيجية لأوروبا؟

{title}
بلكي الإخباري

 

 

لم تكن أروقة منتدى دافوس 2026 مجرد منصة للنقاش الاقتصادي المعتاد، بل كانت ساحة لترسيم حدود الاستقلال الاستراتيجي الذي طالما نادى به المتبصرون في القارة العجوز. فالمشهد السريالي الذي شهدناه –رئيس أمريكي يربط التحالف الأمني بصفقات استحواذ إقليمية في جرينلاند ويشهر سلاح الرسوم الجمركية في وجه أقرب حلفائه– قد أحدث الصدمة الكفيلة بإنهاء السبات الجيوسياسي الأوروبي. فقد أدركت أوروبا في باريس أن النموذج الذي استقرت عليه منذ عام 1945 لم يعد صالحاً للخدمة؛ فالحليف لم يعد ضامناً، لا بل أصبح متغيراً قسرياً يفرض السيادة كخيار وحيد للبقاء.

كشف دافوس 2026 عن تحول بنيوي في فلسفة الأمن الأوروبي. فبينما كانت واشنطن ترى في الناتو أداة للمساومة، بدأ خطاب الحوكمة الدفاعية المستقلة يأخذ صبغة إجرائية. فإعلان بروكسل عن حزم استثمار دفاعية ضخمة تصل إلى 800 مليار يورو بحلول 2030، ليس مجرد رد فعل على تهديدات ترامب، بل هو اعتراف بأن السيادة الوطنية تبدأ من امتلاك قرار الردع. فالأقطاب الأوروبية اليوم، وتحديداً المثلث الصلب (باريس، برلين، لندن)، بدأت تدرك بأن التحول نحو جيش أوروبي أو بنية أمنية متكاملة هو الرد العملي على ما وصفه ماكرون بـ "عالم بلا قواعد". وهنا تعني هذه الحوكمة الانتقال من تلقي الحماية إلى إنتاج الأمن، وهو تحول سيعيد تشكيل موازين القوى داخل القارة وخارجها.

على جبهة أخرى، مثّل التنافس التكنولوجي محوراً مركزياً في تصريحات دافوس. فقد أصبحت التكنولوجيا هي سلاح القوة الناعمة الذي تستخدمه واشنطن للي ذراع الحلفاء. والاستجابة الأوروبية التي برزت في المنتدى تشير إلى صحوة رقمية كبرى؛ حيث لم يعد الهدف مجرد تنظيم المنصات، بل بناء ترسانة تقنية مستقلة.  فنحن نشهد اليوم بوادر عصر لصحوة اقتصادية في أوروبا، مدفوعاً بهجرة عكسية للعقول والرساميل التي تبحث عن الاستقرار المؤسسي في مواجهة المزاجية الحمائية. وإذ نجحت أوروبا في تحويل هذه الضغوط إلى حافز للابتكار، فقد نرى تحولاً في بوصلة القوة التقنية العالمية، لتصبح القارة وجهة لمن يفرون من سياسات الإكراه التجاري نحو بيئة تضمن سيادة القانون على قانون الأقوى.

إن أهم ما أفرزته تصريحات 2026 هو سقوط وهم التبعية الأطلسية. فعودة فرنسا وبريطانيا وألمانيا كأقطاب فاعلة تعكس ضرورة وجود مسار ثالث في النظام الدولي. أقطاب لا تسعى لعداء واشنطن، بل لتأسيس ندية استراتيجية تجعل من أوروبا شريكاً لا يمكن تجاوزه أو تهديده بـصفقات إقليمية. فأداء القادة الأوروبيين اليوم يُختبر بمدى قدرتهم على الحفاظ على هذه الوحدة في وجه السياسة التي تنتهجها الإدارة الأمريكية الحالية. فالسيادة لم تعد شعاراً، بل أصبحت آلية لمكافحة الإكراه التي ستقرر مصير القارة في العقد القادم.

عملياً، قد تمثل الصدمة الترامبية  اللقاح الذي تحتاجه أوروبا لتكتسب مناعة السيادة، ويبقى هذا اللقاح تحت اختبار ضغوط المصالح قصيرة المدى التي قد تفكك هذه الصحوة. إلا أن ما سمعناه في دافوس يوحي بأن أوروبا قد اختارت كرامة السيادة على ذل التبعية، ويبقى الاختبار الحقيقي والأهم  في قدرة مؤسساتها على تحويل هذه التصريحات إلى واقع جيوسياسي ملموس.