القس سامر عازر يكتب : تَعبُ الحَياةِ والماءُ الحّي (د. كميل موسى افرام وداعا)

عمان-الأردن
٢٠٢٥/١/٢٨
رغم جمال الحياة وما تحمله من معانٍ سامية وقيم إنسانية عميقة، إلا أنها تبقى رحلة لا تخلو من التعب والمشقة. فالحياة، مهما تلألأت وجوهها، ليست معفاة من الأحمال، ولا تسير دومًا في طرق معبّدة بالراحة. إنها مسيرة تختلط فيها الأفراح بالأنّات، والنجاحات بتعب السعي، وأحيانًا بتعب الجسد، وتعب الروح، وتعب الخيبات الصامتة.
طبيعتنا البشرية غير معفية من التعب، لأنه جزء لا يتجزأ من واقع وجودنا على هذه الأرض. نتعب لأن الطريق طويل، ولأن الطموح مشروع لكنه مُكلف، ولأن الاجتهاد يستهلك الجسد والروح معًا. وقد نتعب أحيانًا لا بسبب ضعف فينا، بل بسبب أذى يأتينا من الآخرين، أو جراح تُزرع فينا دون استئذان. وهكذا يصبح التعب خبرة إنسانية جامعة، لا يستثني أحدًا.
ولعل أعمق ما يعزّينا في تعبنا، أنَّ السيد المسيح نفسَه لم يكن غريبًا عن هذا الاختبار. فبالطبيعة البشرية التي اتخذها، تعِبَ من السفر، كما يخبرنا الإنجيل، حين جاء من اليهودية إلى الجليل، مارًا بالسامرة، وجلس عند بئر يعقوب، متعبًا من المسير، طالبًا ماءً ليشرب من امرأة سامرية (يوحنا 4). لم يكن هذا التعب ضعفًا، بل إعلانًا عميقًا لتجسُّده الحقيقي، ودخوله الكامل في اختبار الإنسان، جسدًا ونفسًا.
وهنا تتجلّى المفارقة الخلاصية: المسيح الذي طلب ماءً ليَروي عطشه الجسدي، هو نفسه الذي قدّم للمرأة – وللعالم كله – الماء الحي، الذي يروي عطش النفس إلى الأبد. فكما نحتاج نحن إلى ماء ينعش الجسد ويخفف وطأة التعب، نحتاج أكثر إلى من يروي عطشنا الداخلي، لا بإسفنجة مغموسة في خل يزيد الألم، بل بماء يحيي النفس ويجدد القلب.
إن توق الإنسان إلى الماء الزلال، هو صورة عميقة لتوقه إلى الله. فحياتنا، في عمقها، عطشى إلى الكلمة الحية، النقية، الطاهرة؛ عطشى إلى نعمة لا تنضب. هذا هو الماء الحي الذي تكلم عنه المسيح، كلمة الله، التي إذا شربنا منها، تصير فينا ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية. إنها ليست مجرد معرفة، بل حياة؛ ليست مجرد عزاء عابر، بل شبع حقيقي.
وفي عالم تتسارع فيه الأخبار المؤلمة، ونسمع فيه يوميًا عن وفيات مفاجئة، كان آخرها يوم أمس برحيل النطاسي البارع الأستاذ الدكتور كميل موسى أفرام (أبو موسى)، ندرك هشاشة الحياة وقصر الزمن. أفلا يدعونا هذا الواقع إلى أن نرتوي من نبع الماء الحي، لكي لا نعطش أبدًا؟ أفلا يدعونا إلى مراجعة مصادر ارتوائنا، عمّا إذا كنا نشرب من ينابيع العالم التي لا تُشبع أبدا، أم من نبع الحياة الذي لا ينضب؟
نحن بحاجة دائمة إلى كلمة الحياة التي تروي نفوسنا وأرواحنا، لنحيا بشبع داخلي حقيقي. وكما يقول الكتاب المقدس: "النفس الشبعانة تدوس العسل، وللنفس الجائعة كل مرٍّ حلو" . فمن يرتوي من نبع الله، لا تعود مرارة العالم قادرة أن تكسره، ومن يشبع بكلمة النعمة، لا تعود قسوة الواقع قادرة أن تسلبه رجاءه.
إن ماء العالم، مهما تنوّعت أشكاله، لا يشبع ولا يروي. فلا مال، ولا جاه، ولا نجاح أرضي قادر أن يملأ فراغ النفس. وحده كلام النعمة الخارج من فم المسيح يريح القلب، لأنه نور وحياة. ومن يشرب من هذا الماء الحي، لا خوف عليه، لأن حياته تبدأ تفيض حبًا، وعطاءً، وتضحية، وتصير شهادة حيّة تنبع إلى حياة أبدية خالدة مع المسيح، في أمجاد السماوات.
ولا يسعنا ألا وأن نتقدّم بأحرّ مشاعر العزاء والمواساة بوفاة المرحوم الأستاذ الدكتور كميل موسى أفرام (أبو موسى)، أحد أشهر أطباء النسائية والتوليد في الاردن، والذي نؤمن أنه بعدما أتمّ مسيرته على هذه الأرض، قد ارتوى الآن من ماء الحياة الأبدية، حيث لا تعب ولا وجع ولا أنين، بل فرح دائم في حضرة الله.
ليتغمّده الرب بواسع رحمته، ويمنح عائلته ومحبيه نعمة التعزية والرجاء، وليكن ذكره مؤبدًا، على رجاء القيامة والحياة التي لا تزول.















