+
أأ
-

حين تتحوّل الأزمات إلى وقودٍ للتطرف من التشدد الفكري إلى الإرهاب وتهديد الأمن الوطني

{title}
بلكي الإخباري

الدكتور حكمت الطراونة دكتوراه في علم الجريمة باحث في قضايا التطرف العنيف والإرهاب  

لم تعد الأزمات التي تشهدها المنطقة أحداثًا عابرة تنتهي بانتهاء المواجهات أو تراجع حدّة التصعيد؛ فهي تترك آثارًا سياسية واجتماعية ونفسية، وقد تتحوّل، في بيئات هشّة أو عند غياب الخطاب المسؤول، إلى مادة تستثمرها التيارات المتشددة والجماعات المتطرفة في بناء سردياتها وتوسيع دائرة تأثيرها. ومن هنا تبرز أهمية قراءة العلاقة بين الأزمات والتشدد والتطرف والإرهاب قراءةً متأنية، لا تخلط بين المفاهيم، ولا تسمح في الوقت نفسه بالتقليل من المخاطر.

الأزمة ليست سببًا حتميًا للتطرف، لكنها قد تهيّئ بيئةً قابلة للاستغلال. فالشعور بالظلم، وفقدان الثقة، والاستقطاب الحاد، وانتشار الشائعات، وتراجع الحوار، كلها عوامل يمكن أن يستثمرها أصحاب الخطاب المتطرف لتقديم إجابات مبسّطة عن قضايا معقدة، وتصوير العالم باعتباره معسكرين متقابلين لا مجال بينهما للاختلاف أو التفاهم. وتزداد خطورة هذا الخطاب حين يوظّف الألم والغضب لإقناع الأفراد بأن العنف وسيلة مشروعة للتغيير أو للانتقام.

ومن الضروري هنا التمييز بين التشدد الفكري والتطرف والإرهاب. فتبنّي رأي حاد أو موقف متشدد لا يعني تلقائيًا أن صاحبه إرهابي، كما أن الاختلاف الفكري أو الديني أو السياسي لا يجوز أن يكون مبررًا للوصم أو الإدانة. يبدأ الخطر حين تتحوّل القناعة إلى إقصاء للآخر، وحين يُنزع عن المختلف حقه في الكرامة أو الوجود، ويتعمق حين يُبرَّر الإكراه أو العنف. أما الإرهاب، فيرتبط باستخدام العنف أو التهديد به لتحقيق غايات سياسية أو أيديولوجية وبث الخوف في المجتمع، وفق التعريفات والأطر القانونية ذات الصلة.

إن التعامل مع الحوادث الأمنية المؤلمة، ومنها ما يثير القلق في المجتمعات المحلية، يتطلب التثبت من المعلومات، واحترام الإجراءات القانونية، والابتعاد عن التعميم والاتهامات غير المستندة إلى أدلة. فالشائعات قد تضاعف الضرر، وتخلق توترًا اجتماعيًا، وتمنح أصحاب الخطاب المتطرف فرصة لتوسيع الانقسام. كما أن حماية المجتمع لا تتحقق فقط بإدانة العنف، بل أيضًا بحماية السلم الأهلي، وصون حقوق المواطنين، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، ورفض تحميل جماعة كاملة مسؤولية فعل فرد أو مجموعة.

وفي السياق الأردني، تظل قوة المجتمع وتماسكه عنصرين أساسيين في مواجهة أي محاولة لزعزعة الأمن والاستقرار. فالأردن يمتلك رصيدًا من التماسك الوطني والتعايش، لكن الحفاظ على هذا الرصيد يحتاج إلى خطاب عام مسؤول، وإلى تعاون مستمر بين مؤسسات الدولة والأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني. فالأمن الوطني ليس مسؤولية الأجهزة المختصة وحدها؛ بل هو منظومة متكاملة تجمع بين الوقاية والعدالة والتنمية والتربية والحوار.

وتبدأ الوقاية الفاعلة من بناء قدرة الأفراد على التفكير النقدي والتحقق من المعلومات، وفهم السياقات، ومقاومة خطاب الكراهية والتضليل. فالمؤسسات التعليمية مطالبة بتوفير مساحات آمنة للحوار، وتشجيع السؤال والنقاش، وتعليم الطلبة التمييز بين النقد المشروع والتحريض، وبين الاختلاف والعنف. كما أن الأسرة تستطيع أن تؤدي دورًا محوريًا حين تقوم على الإصغاء والثقة والمتابعة الواعية، بدل الاكتفاء بالمراقبة أو اللوم، ولا سيما في البيئة الرقمية التي تتسارع فيها الرسائل المؤثرة.

أما الإعلام، فعليه أن يوازن بين حق الجمهور في المعرفة وضرورة عدم نشر الشائعات أو إعادة إنتاج خطاب التحريض. فالمعلومة غير الدقيقة قد تتحول إلى أداة تعبئة، والعنوان المثير قد يضاعف الخوف أو يوسّع دائرة الاستقطاب. ومن واجب الخطاب الإعلامي المسؤول أن يقدّم الوقائع المؤكدة، ويمنح الجهات المختصة مساحة للتوضيح، ويبتعد عن اللغة التي تجرّد الناس من إنسانيتهم أو تحوّل الخلاف إلى عداوة دائمة.

ولا تكتمل المواجهة من دون معالجة العوامل التي تجعل بعض الأفراد أكثر قابلية للاستقطاب، مثل الشعور بالتهميش، وضعف الفرص، والعزلة، والأزمات النفسية والاجتماعية، أو فقدان الانتماء. ولا يعني ذلك تبرير التطرف أو العنف، بل فهم الظروف التي قد يستغلها المحرّضون لتصميم خطابهم. فالمقاربة الأكثر فاعلية هي التي تجمع بين تطبيق القانون بحزم وعدالة، والتدخل المبكر، والدعم النفسي والاجتماعي، وبرامج التأهيل وإعادة الإدماج، مع تقييم مستمر لنتائج هذه البرامج.

إن أخطر ما يمكن أن تفعله الأزمات هو أن تدفع المجتمع إلى التخلي عن قيمه تحت ضغط الخوف والغضب. فمواجهة التطرف لا تكون بتطرف مضاد، ولا بإغلاق أبواب الحوار، ولا بإضعاف الثقة بين مكونات المجتمع؛ بل بتعزيز القانون، والعدالة، والمواطنة، والقدرة على الاختلاف دون عنف. وكلما حافظ المجتمع على تماسكه، ضاقت المساحة التي تستطيع الجماعات المتطرفة التحرك فيها.

في المحصلة، لا ينبغي أن تتحوّل الأزمات إلى وقود للتطرف، ولا أن يصبح الخوف مبررًا للتعميم أو الانقسام. إن حماية الأمن الوطني تبدأ من حماية الإنسان ووعيه وكرامته، ومن ترسيخ ثقافة ترفض العنف وتواجه التحريض، وتؤمن بأن الاختلاف لا يلغي الشراكة الوطنية. فالدولة القوية ليست التي تمنع الخطر بعد وقوعه فحسب، بل التي تبني مجتمعًا قادرًا على اكتشاف أسبابه مبكرًا، واحتواء آثاره، ومنع تحويل الألم والغضب إلى مشروع للكراهية والإرهاب.