هل تأخّر حسّان، أم أنّه يقطف ثمار من سبقه؟

م. معاذ المبيضين
حين تطرح مسألة الاعتراف بإنجاز حكومة ما، فإن المأزق الحقيقي لا يكمن في تقييم الأرقام أو استعراض المشاريع، بل في سؤال أكثر تعقيدا: من يملك حق الانتساب إلى النتيجة حين تكون الدولة، لا الحكومة، هي صاحبة الذاكرة المؤسسية؟ فحكومة الدكتور جعفر حسان، التي شارفت على إكمال عامها الثاني وسط خطاب رسمي يتحدث عن نتائج ملموسة في الاقتصاد والخدمات، تضع أمامنا هذا السؤال بوضوح: هل ما يُقدم اليوم على أنه إنجاز حكومي هو ثمرة قرار وأداء مستقلين، أم أنه استحقاق تراكمي كانت بذوره قد زرعت في دورات سابقة، ولم يبق أمام الحكومة الحالية سوى قطافه وتظهيره؟
هذا السؤال ليس تجنياً على حكومة بعينها، بل هو اختبار منهجي ينبغي أن يطرح على كل حكومة تتولى الإدارة في سياق يتّسم بطول الدورات الإصلاحية وتشابك السياسات عبر الزمن. فالإصلاح الاقتصادي، والتحديث الإداري، والانفتاح الاستثماري، ليست مشاريع تنجز في عام واحد او عامين، بل مسارات تراكمية تمتد جذورها إلى قرارات سابقة، وتُثمر أحياناً في زمن لاحق لا علاقة مباشرة له بمن يتخذها.
من الإشكاليات البنيوية في تقييم الأداء الحكومي أن هناك فجوة زمنية تفصل بين لحظة اتخاذ القرار ولحظة ظهور أثره. فحين تطلق حكومة رؤية التحديث الاقتصادي، أو تُقر إصلاحات تشريعية في مناخ الاستثمار، أو تضع أسس برنامج تنفيذي متعدد السنوات، فإن هذه القرارات لا تُترجم إلى نتائج قابلة للقياس إلا بعد سنوات، وغالبا في عهد حكومة أخرى. وهذا ما يجعل مسألة من أنجز أكثر تعقيداً من مجرد ربط النتيجة بتاريخ ظهورها.
صحيح أن حكومة حسان تولت مهامها في مرحلة كانت فيها رؤية التحديث الاقتصادي قد اكتملت هندستها التشريعية والمؤسسية في الدورات السابقة، وما كان مطلوباً منها هو الانتقال من مرحلة البناء إلى مرحلة التنفيذ الميداني. وهذا الانتقال ليس أمراً هيناً، فالتنفيذ يحتاج إلى قدرة تنظيمية وانضباط إداري لا يقلّان أهمية عن التصميم الأصلي، لكنه يبقى مختلفاً جوهرياً عن فعل التأسيس. والفارق بين الاثنين هو بالضبط ما يستحق النقاش، لا التعتيم عليه.
المعيار الأدق لتقييم أي حكومة ليس ما إذا كانت النتائج قد ظهرت في عهدها، بل ما إذا كانت قد أضافت قيمةً مميزة إلى المسار الذي ورثته. فالاستمرارية في تنفيذ برنامجٍ سابق ليست عيباً بحد ذاتها؛ بل قد تكون دليل نضج مؤسسي حين تتجاوز الدولة منطق (البداية من الصفر) مع كل تغيير حكومي. لكن الاستمرارية وحدها لا تكفي لتبرير خطاب الإنجاز، إذ إن مجرد إدارة ما هو قائم لا يرقى إلى مرتبة الإصلاح ما لم يُرفَق بإضافة نوعية: تسريع وتيرة، أو تصحيح مسار، أو معالجة اختناق تنفيذي كان يعيق الأثر المرجو.
وهنا يبرز الفارق الجوهري بين حكومةٍ تُدير تركة سابقتها بكفاءة، وحكومة تكتفي باستثمار الزخم الإعلامي لنتائج لم تكن هي من صنعها. الأولى تستحق تقديراً مشروطاً بجودة الإدارة، والثانية تمارس ضرباً من إعادة التسمية السياسية لا يخدم الشفافية المؤسسية ولا يُسهم في بناء ثقافة تقييم موضوعية للأداء الحكومي.
جزء كبير من هذا الالتباس ينبع من غياب آليات واضحة لتتبّع الإنجاز عبر الحكومات المتعاقبة. فحين لا توجد منظومة توثيق تُبيّن بدقة متى اتُّخذ القرار، ومتى دخل حيز التنفيذ، ومتى ظهر أثره، يصبح من السهل على أي حكومة أن تُقدم نفسها كصانعة إنجاز، دون أن يطالبها أحد بتفكيك الجدول الزمني الحقيقي للقرار. وهذا لا يخص حكومة حسان وحدها، بل هو سمة عامة في بيئات إدارية تفتقر إلى ثقافة الأرشفة المؤسسية المستقلة عن الخطاب السياسي للحكومة القائمة.
المفارقة أن هذا الغموض يخدم كل الأطراف في آن واحد: فالحكومة الحالية تستفيد من الانطباع بأنها فاعلة ومنجزة، بينما تعفى الحكومات السابقة، ضمنياً، من مساءلة حول سبب تأخر ظهور نتائج قراراتها في زمنها هي. وبذلك تتحول مسألة (من يستحق الفضل) إلى أداة لتوزيع المديح لا لتوزيع المسؤولية، وهو ما يُفرغ فكرة الإنجاز من قيمتها التقييمية الحقيقية.
الإنصاف يقتضي عدم الانزلاق إلى الطرف النقيض أيضاً: فالقول بأن كل ما تحقق هو محض ميراث سابق ينكر دور الأداء التنفيذي في تحديد سرعة الأثر وجودته. فبرنامجان متطابقان في التصميم قد يُنتجان نتائج متباينة تماماً بحسب كفاءة من يتولى تنفيذهما. وحكومة حسان، في هذا الإطار، تستحق أن تُقيَّم بمعيار مزدوج: ماذا ورثت، وكيف تصرفت فيما ورثته؟ فمن يقطف ثمار غيره بكفاءة ودون هدر أو تعثر، يستحق تقديراً لا يقل أهمية عن تقدير من زرع، وإن كان تقديراً من طبيعة مختلفة.
المشكلة الحقيقية ليست في القطاف بحد ذاته، بل في تقديمه على أنه زرع وحصاد في آنٍ واحد، إذ إن هذا الخلط يُربك أي محاولة جادة لفهم كيف تتراكم القدرة المؤسسية عبر الزمن، ويُضعف الحافز لدى الحكومات القادمة لإطلاق مبادرات طويلة الأمد قد لا تُثمر إلا بعد رحيلها.
ولعل السؤال الأجدر بالطرح ليس (من يستحق الفضل)، بل كيف نبني منظومة تقييم تحرر الإنجاز من احتكار اللحظة السياسية الراهنة؟ فالدولة التي تتعامل مع أداء حكوماتها كسلسلة متصلة، لا كمحطات منفصلة يُعاد فيها اختراع الخطاب مع كل تشكيلة وزارية، هي وحدها القادرة على تطوير ذاكرة مؤسسية تصون الجهد وتُنصف صاحبه، أياً كان موقعه في تسلسل الزمن. وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل السؤال حول من زرع ومن قطف مطروحاً، لا بوصفه اتهاماً لأحد، بل بوصفه تذكيراً بأن الإنجاز الحقيقي هو ما يصمد أمام هذا السؤال، لا ما يتهرب منه.


















