د. عبد السلام المعلا يكتب : التوجيهي ليس نهاية المدرسة…نريده بوابة الجامعة وسوق العمل

د. عبد السلام المعلا، رئيس معهدي أمريكا الشمالية التقني واللغوي، واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية
مرّ امتحان الثانوية العامة الأردني خلال العقود الثلاثة الماضية بسلسلة طويلة من التغييرات، شملت الفروع، والمناهج، وأوزان المواد، وطبيعة الأسئلة، ونظام الدورات، وصولاً إلى الامتحان على سنتين ونظام الحقول. وبعد كل هذه التعديلات، ربما حان الوقت لطرح السؤال الأهم: ما وظيفة التوجيهي أصلاً؟ هل هو امتحان تخرج، أم أداة قبول جامعي، أم وسيلة لفرز الطلبة، أم اختبار لما استطاعوا حفظه؟
ربما نحتاج إلى إعادة صياغة الفكرة بالكامل. بدل أن نمتحن الطالب في كل ما درسه ثم نحدد مستقبله الجامعي على أجزاء من العُشر، يمكن تطوير التوجيهي تدريجياً إلى اختبار وطني للجاهزية الجامعية والمهنية، يستفيد من فلسفة اختبارات قدرات أجنبية وعربية دون أن يكون نسخة عنها. أي اختبار يركز على القراءة والكتابة، والرياضيات، والفهم، والاستدلال، وحل المشكلات، والقدرة على تطبيق المعرفة، بينما يصبح السجل الأكاديمي للصفوف 9–12 جزءاً فاعلاً من عملية القبول.
هذا لا يعني إلغاء الفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء أو التاريخ. فالطالب يدرس هذه المواد خلال المدرسة، ويمكن للجامعات أن تحدد بوضوح المواد والمستويات المطلوبة لكل تخصص. فمن يريد الطب يحتاج إلى سجل مواد علمية قوي، ومن يريد الهندسة يحتاج إلى رياضيات وفيزياء متقدمة، وهكذا. بهذه الطريقة نفصل بين القدرات العامة، والتحصيل المدرسي، والاستعداد للتخصص الجامعي، بدل تحميل امتحان واحد مسؤولية تقرير مستقبل الطالب كله.
ولا يمكن بناء نموذج حديث دون إعادة التفكير في اللغة الإنجليزية. يجب ألا يكون الهدف مجرد النجاح في مادة مدرسية، بل أن يصل الطالب في نهاية الصف الثاني عشر إلى مستوى يمكنه من الدراسة الجامعية، وإجراء مقابلة عمل، وكتابة تقرير عمل، وتقديم مشروع، والتواصل ضمن فريق دولي. ويمكن بناء برنامج وطني متدرج يسترشد بمعايير دولية مثل CEFR ومتطلبات اختبارات مثل IELTS، مع تعزيز المحادثة والاستماع من خلال مدرسين ذوي كفاءة عالية أو من أهل اللغة، والتعليم الإلكتروني، وأدوات الذكاء الاصطناعي التي توفر ممارسة يومية وتغذية راجعة.
أما القضية الأكبر فهي أن عصر الذكاء الاصطناعي غيّر معنى التعليم الجيد. عندما يستطيع الذكاء الاصطناعي استرجاع المعلومات وكتابة النصوص وإنجاز كثير من المهام الروتينية خلال ثوانٍ، فإن النظام الذي يكافئ الحفظ وحده لم يعد كافياً بتاتاً. المطلوب اليوم هو القراءة النقدية، والتفكير الكمي، وتحليل البيانات، وحل المشكلات، والإبداع في طرح الأفكار الجديدة، والتحقق من المعلومات، والتواصل مع الآخرين، والقدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي بذكاء ومسؤولية.
وهذا ليس نقاشاً تربوياً منفصلاً عن الاقتصاد. تقرير Future of Jobs 2025 للمنتدى الاقتصادي العالمي يتوقع تغير نحو 39% من المهارات المطلوبة في سوق العمل بحلول 2030، مع صعود مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات والأمن السيبراني، إلى جانب التفكير الإبداعي والمرونة والقدرة على التكيف. أي أن المدرسة التي لا تتغير اليوم قد تُخرّج طالباً يحمل شهادة، لكنه يدخل سوقاً لم يعد يطلب المهارات التي أمضى سنوات في حفظها.
لذلك فإن إصلاح التوجيهي يجب ألا يكون تعديلاً جديداً في عدد المواد أو توزيع الحقول، بل جزءاً من استراتيجية وطنية لرأس المال البشري. المطلوب طالب يتخرج وهو يجيد القراءة والكتابة والرياضيات، ويتحدث الإنجليزية بمستوى جيد، ويمتلك مهارات رقمية وذكاءً اصطناعياً، ويحمل سجلاً دراسياً ومشاريع عملية زاخرة وتدريباً يثبت قدراته.
بعد ثلاثة عقود من التعديل، لم يعد السؤال: ما الشكل الجديد للتوجيهي؟ بل: أي خريج نريد أن تصنعه المدرسة الأردنية؟ خريج يتنافس على المعدل ثم المقعد ثم ينتظر وظيفة قد لا تكون موجودة، أم شاب يمتلك المهارات التي تجعله قادراً على المنافسة في الجامعة وسوق العمل محلياً وإقليمياً وعالمياً؟



















