مستقبل العلاقات السورية الايرانية.. هل تنجح دمشق في فرض شروطها على طهران؟

تتبنى دمشق في مرحلتها السياسية الجديدة نهجا براغماتيا يبتعد عن سياسات العداء الدائم، معتبرة أن بناء العلاقات الدولية يجب أن يخضع لمعايير المصلحة الوطنية بدلا من العواطف. ورغم هذا الانفتاح، لا تزال الطريق نحو عودة العلاقات الطبيعية مع طهران محفوفة بالتحديات المعقدة، حيث تفرض الحكومة السورية شروطا واضحة تتعلق بضرورة اعتراف إيران بدورها السابق وتداعياته على الأرض السورية. وتدرك القيادة السورية أن أي اندفاع غير مدروس نحو طهران قد يكلفها الكثير على المستوى الشعبي والسياسي، خاصة في ظل وجود جروح غائرة خلفتها سنوات التدخل السابقة.
واوضحت التحليلات السياسية أن دمشق لم تدرج إيران بعد ضمن قائمة الدول التي عززت معها روابطها الدبلوماسية، مشيرة إلى أن الخطاب الرسمي السوري لا يزال يوجه انتقادات حادة للتدخلات الإيرانية التي دعمت النظام السابق. وبين المراقبون أن هذا التشدد يهدف إلى طمأنة الحاضنة الشعبية السورية بأن أي تفاهمات مستقبلية لن تكون على حساب تضحيات السوريين، مؤكدين أن دمشق اليوم تضع طهران أمام استحقاقات أخلاقية وقانونية قبل البدء بأي مسار تفاوضي جدي.
واكد خبراء أن استمرار التواصل الدبلوماسي مع طهران قد يكون ضرورة تفرضها الجغرافيا والواقع الإقليمي، تماما كما تفعل دول الجوار التي تدير خلافاتها مع إيران عبر قنوات اتصال رسمية وأمنية. وشدد المحللون على أن بقاء خطوط الاتصال مفتوحة يمنع انزلاق المنطقة نحو صراعات مفتوحة، موضحين أن دمشق تسعى من خلال هذه السياسة إلى تحجيم النفوذ الإيراني وضمان عدم تحول الأراضي السورية إلى ساحة لتصفية الحسابات أو منصة للميليشيات العابرة للحدود.
مسارات التوافق والمصالح المشتركة
وكشف مفكرون سوريون أن طهران قد تتجاوب مع المطالب السورية من باب المداورة السياسية، خاصة وأن إيران تسعى حاليا لإعادة تموضعها الإقليمي في ظل الضغوط الدولية التي تواجهها. واضافوا أن طهران قد تلجأ إلى اعترافات غير مباشرة أو خطوات رمزية لتجاوز الإرث السلبي في سوريا، مستبعدة في الوقت ذاته اعترافا كاملا بالمسؤولية نظرا للتبعات القانونية والمالية الكبيرة التي قد تترتب على ذلك، خاصة فيما يتعلق بالديون والتعويضات.
وبينت الرؤى السياسية أن هناك مصلحة متبادلة في إنهاء حالة الجفاء، حيث تحتاج سوريا إلى استقرار أمني وتنمية اقتصادية، بينما تحتاج إيران إلى ترميم حضورها المتراجع في المنطقة عبر بوابة دمشق. واكد الخبراء أن سوريا اليوم أصبحت أكثر قدرة على ضبط السلوك الإيراني عبر القنوات الرسمية، مما يمنحها هامشا أوسع للمناورة السياسية ويجنبها العودة إلى سياسة المحاور التي أرهقت البلاد لسنوات طويلة.
واشار المختصون إلى أن عملية استعادة العلاقات ستكون تدريجية للغاية، حيث ستقتصر في بدايتها على فتح قنوات تواصل دبلوماسي دون التطرق للملفات الشائكة. واوضحوا أن الملف الاقتصادي والتعاون في مشاريع إعادة الإعمار لن يطرح على الطاولة إلا بعد نضوج المسار السياسي، مؤكدين أن استقرار المنطقة بشكل عام هو العامل الحاسم الذي سيحدد ملامح وشكل العلاقة السورية الإيرانية في المستقبل القريب.



















