أ. د. مصطفى محمد عيروط : إلى متى ستبقى إعلانات التوجيهي خارج الأردن؟

حماية أبنائنا مسؤولية وطنية وقانونية…
بعد إعلان نتائج توجيهي المسارات، بدأت تظهر إعلانات في مواقع التواصل الاجتماعي تدعو أبناءنا الطلبة إلى دراسة الثانوية العامة خارج الأردن، وكأن الطريق إلى النجاح أصبح يمر عبر مغادرة الوطن، وكأن شهادة الثانوية العامة الأردنية فقدت لا سمح الله مكانتها أو ثقة المجتمع بها!
وهنا يحق لنا أن نسأل بصراحة ومسؤولية:
إلى متى ستبقى هذه الإعلانات أمام أبنائنا وأسرهم؟ ومن المسؤول عن مراقبتها؟ وهل ستُطبَّق الأنظمة والتعليمات بحزم على من يروّج لدراسة الثانوية العامة خارج المملكة؟
إن هذا السؤال ليس اعتراضًا على التعليم في الخارج من حيث المبدأ، فالأردنيون يدرسون في جامعات ومدارس ومؤسسات تعليمية في دول مختلفة، وهذا أمر طبيعي عندما يكون له مبرر تعليمي حقيقي. لكن القضية هنا مختلفة؛ لأنها تتعلق بطلبة في سن المدرسة، وبشهادة الثانوية العامة، وبمستقبل أسرة كاملة، وبإعلانات قد تستغل قلق الطلبة وأهاليهم بعد نتائج التوجيهي.
والأخطر أن الأمر يأتي في مرحلة حساسة، بعد نتائج نظام المسارات، حيث يكون الطالب وولي أمره تحت ضغط نفسي كبير، وقد يبحث البعض عن أي طريق بديل لتحسين النتيجة أو تغيير المسار، فتأتي بعض الإعلانات لتقدم له "الحل السهل" خارج الأردن.
التوجيهي الأردني ليس شهادة عابرة
لقد مرّت أجيال أردنية طويلة بامتحان الثانوية العامة الأردنية، وارتبط التوجيهي في وجدان الأردنيين بمفهوم الجدية والانضباط والمنافسة والعدالة وتكافؤ الفرص.
وقد تختلف الآراء حول تطوير الثانوية العامة، وحول نظام الحقول أو المسارات، وحول طريقة توزيع الطلبة والقبول الجامعي، وهذا حق مشروع في النقاش الوطني.
لكن الخلاف على تطوير النظام لا يعني هدم الثقة بالتوجيهي الأردني.
فالإصلاح الحقيقي يكون داخل النظام التعليمي الوطني، من خلال تطوير المناهج، وتحسين الامتحانات، وتعزيز الإرشاد والتوجيه، ومعالجة نقاط الضعف، والاستماع إلى الطلبة وأولياء الأمور والمعلمين والجامعات والخبراء.ومن يتابع فيجد مطالب تريد العوده الى العلمي والأدبي
أما أن يتحول الاختلاف أو عدم الرضا عن المسارات إلى سوق للإعلانات التي تدعو أبناءنا إلى دراسة الثانوية العامة خارج الوطن، فهذا يحتاج إلى وقفة وطنية وقانونية جادة.
والأهم: القانون موجود
وهنا لا نتحدث عن مطلب جديد أو اقتراح غير موجود في التشريعات.
فمجلس الوزراء أقر في عام 2025 نظامًا معدّلًا لنظام معادلة الشهادات من مستوى شهادة الدراسة الثانوية العامة، وبيّن رسميًا أن من أهدافه ضبط جودة شهادات الثانوية العامة الصادرة من خارج الأردن، وحماية الطلبة وأسرهم من الوقوع ضحية الاستغلال والتضليل.
والأهم أن النظام يحظر على مكاتب الخدمات الطلابية الترويج للدراسة خارج المملكة وتسجيل الطلبة الأردنيين للحصول على الشهادة من مدارس خارج المملكة، تحت طائلة المساءلة القانونية.
إذن السؤال اليوم ليس:
هل نؤيد أو نعارض؟
بل:
هل يُطبَّق النظام؟
إذا كان النظام يحظر هذا الترويج، فإن المطلوب من الجهات المختصة أن تراقب الإعلانات، سواء كانت عبر مكاتب الخدمات الطلابية أو وسائل التواصل الاجتماعي أو المنصات الرقمية أو أي وسيلة أخرى، وأن تتعامل معها وفق أحكام القانون والأنظمة والتعليمات.
حماية الطالب أهم من الربح
لا يجوز أن يتحول مستقبل أبنائنا إلى سوق تجارية تستفيد من قلق الطالب أو تراجع معدله أو رغبته في الحصول على شهادة يعتقد أنها أسهل.
فالطالب في هذه المرحلة العمرية قد لا يمتلك القدرة الكاملة على تقدير النتائج المستقبلية لقرار السفر والدراسة خارج الأردن.
وقد يكتشف بعد سنوات أن الشهادة التي حصل عليها لا تحقق له ما كان يتوقعه، أو أنه لم يستوفِ شروط المعادلة، أو أن المؤسسة التعليمية التي درس فيها لا تحقق المعايير المطلوبة.
والنظام نفسه جاء لمعالجة هذه المخاطر؛ إذ أشار مجلس الوزراء إلى حالات لمدارس لا توفر الحد الأدنى من معايير جودة التعليم، وإلى شهادات قد لا تتم معادلتها لمخالفة شروط المعادلة. كما وضع شروطًا تتعلق بالإقامة والاختبارات في بعض الحالات.
وهذا يعني أن الأسرة لا ينبغي أن تنظر إلى الإعلان باعتباره مجرد فرصة، بل عليها أن تسأل أولًا:
هل الشهادة ستُعادَل في الأردن؟
وهل المدرسة معترف بها؟
وهل الدراسة فعلية ووجاهية؟
وهل تتحقق شروط الإقامة؟
وهل سيقبل الطالب لاحقًا في الجامعة التي يريدها؟
وهل يستطيع استخدام الشهادة في سوق العمل؟
هناك كلفة مادية… ولكن هناك كلفة اجتماعية ونفسية أيضًا
إن إرسال طالب إلى الخارج لدراسة الثانوية العامة ليس قرارًا ماليًا فقط.
هناك رسوم دراسة وسكن وسفر ونفقات معيشة، وقد تتحمل الأسرة مبالغ كبيرة كان يمكن أن تنفق على تعليم الطالب وتطوير قدراته داخل الأردن.
لكن الأخطر من ذلك هو الكلفة النفسية والاجتماعية.
فالطالب قد يجد نفسه في بيئة جديدة، بعيدًا عن أسرته، وفي عمر يحتاج فيه إلى التوجيه والمتابعة والحماية والرعاية.
وقد يواجه نظامًا تعليميًا مختلفًا، وثقافة مختلفة، ومجتمعًا جديدًا، وأنماطًا مختلفة من الحياة والتعامل.
ولا يعني ذلك أن كل طالب يدرس خارج الأردن سيتعرض لمشكلة، ولكن القرار بالنسبة لطلبة الثانوية العامة يحتاج إلى دراسة دقيقة، وليس إلى إعلان تجاري مدته ثلاثون ثانية.
لا نريد منع التعليم… بل نريد منع استغلال التعليم
وهذه نقطة مهمة جدًا.
نحن لا ندعو إلى إغلاق أبواب التعليم الخارجي، ولا إلى منع الأردني من الدراسة في الخارج عندما تتوافر الأسباب والضمانات.
بل ندعو إلى شيء أبسط وأكثر عدالة:
تطبيق النظام.
فإذا كان مكتب الخدمات الطلابية ممنوعًا من الترويج للدراسة الثانوية خارج المملكة، فيجب ألا يسمح له بممارسة هذا النشاط تحت أي اسم أو غطاء.
وإذا كان الإعلان مخالفًا، فيجب التعامل معه وفق القانون.
وإذا كان هناك غموض لدى الأسر حول معادلة شهادة معينة، فيجب أن تكون وزارة التربية والتعليم هي المرجعية الواضحة التي تقدم الإجابة قبل أن تدفع الأسرة أموالها أو ترسل ابنها إلى الخارج.
رسالة إلى وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشريه
إن المسؤولية اليوم ليست في إصدار الأنظمة فقط، وإنما في تنفيذها ومراقبة الالتزام بها.
وأمام انتشار الإعلانات الرقمية، فإن الرقابة التقليدية وحدها لم تعد كافية.
نحن بحاجة إلى متابعة الإعلانات المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية، والتحقق من الجهات التي تقف خلفها، واتخاذ الإجراءات القانونية والاداريه الحازمه بحق المخالفين.
كما نحتاج إلى حملة توعية وطنية واضحة تقول للأسر:
لا تسجلوا أبناءكم في أي برنامج ثانوي خارج الأردن .
فقد يدفع الأب عشرات الآلاف من الدنانير، ثم يكتشف بعد سنوات أن ابنه يحمل شهادة لا تحقق الغرض الذي سافر من أجله.
وأقول للأهالي: لا تجعلوا القلق يقود القرار
أبناؤنا ليسوا أرقامًا في قوائم النجاح والرسوب.
وقد يكون الطالب الذي لم يحقق المعدل الذي يريده اليوم قادرًا على النجاح غدًا إذا وجد التوجيه الصحيح.
وقد يكون الحل في إعادة تنظيم مساره، أو تحسين مستواه، أو اكتشاف تخصص مناسب لقدراته، وليس بالضرورة في السفر إلى دولة أخرى.
لا تجعلوا إعلانًا تجاريًا يقرر مستقبل ابنكم.
اسألوا، وتحققوا، واستشيروا المدرسة ووزارة التربية والتعليم والجهات الرسمية المختصة قبل اتخاذ أي قرار.
المطلوب: تطبيق القانون لا الانتظار
لقد اتخذت الحكومة خطوة مهمة عندما وضعت نصوصًا لضبط عمل مكاتب الخدمات الطلابية ومنع الترويج للدراسة الثانوية خارج المملكة، كما ربطت ذلك بالمساءلة القانونية.
ولا يجوز أن يكون هناك نظام يحظر الترويج، بينما يشاهد المواطن الإعلانات أمامه كل يوم.
ولا يجوز أن نطلب من الأسرة أن تتحمل وحدها مسؤولية التحقق، بينما هناك جهات تمارس نشاطًا تجاريًا يجب أن يكون منضبطًا بالقانون.
التوجيهي الأردني قضية وطنية، لأنه يتعلق بمستقبل أبنائنا وبناتنا، وبثقة المجتمع بمؤسساته التعليمية، وبسمعة الشهادة الأردنية.
ونريد في رأيي حماية الطالب الأردني من الاستغلال والمتاجرة بقلقه ومستقبله.
ومن هنا فإن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا أمام الجهات المختصة في رأيي هو:
إلى متى ستبقى إعلانات دراسة التوجيهي خارج الأردن؟
والجواب:
بتطبيق النظام، ومراقبة الإعلانات، ومحاسبة المخالفين، وتوعية الأسر، وحماية أبنائنا.
فمستقبل الطالب الأردني ليس سلعة إعلانية، وليس مشروعًا للربح، .
والأردن الذي بنى نظامه التعليمي القوي على مدى عقود، وخرّج أجيالًا من العلماء والأطباء والمهندسين والمعلمين والإعلاميين والاداريين والقادة، في نظام التوجيهي العلمي والأدبي قادر على أن يصون حق أبنائنا كما كان وسيبقى للابد في الاردن القوي الراسخ في تعليم آمن وعادل وذي جودة كما كان وسيبقى .
حماية أبنائنا مسؤولية مشتركة… وتطبيق القانون والنظام مسؤولية الجهات المعنية
إن أخطأت فاعتذر
مصطفى محمد عيروط



















