الحوكمة تقتل التوكستك - كيف تحمي نفسك من المدير السام في عصر البيانات

بقلم غسان الشواهين
لم تعد الإدارة في عصرنا مجرد سلطة توقيع ولا مجرد أمر يصدر فينفذ بل صارت منظومة قيم وعمليات وحوكمة تحكمها الشفافية لا الأهواء وتقودها البيانات لا الانطباعات
وفي قلب هذا التحول تبرز معضلة قديمة بلباس جديد هي المدير السام الذي يتنكر في ثوب القيادة الحديثة
المدير السام في الإدارة التقليدية كان يرفع صوته أما في الإدارة الحديثة فهو يهمش بصمت عبر النظام وعبر تعطيل المسارات
إنه يخاف من الكفاءة التي تظهرها لوحات الأداء ويخشى من الأفكار التي توثقها منصات التعاون لأنه يعلم أن التحول الرقمي فضح ما كان مخفيا وجعل كل إنجاز وكل تقصير مرئيا على شاشة واحدة
ومن هنا يبدأ الصراع النفسي داخله فعقله يعمل على طرفي نقيض إما أن يكون هو الأفضل المتوج أو لا شيء على الإطلاق
وهذا العقل لا يحتمل النقد البناء لأنه يسمعه هجوما على صورته لا رأيا على قراره
فيلجأ إلى التهميش الناعم ولكن بأدوات عصرية لا يدعوك لاجتماع الفريق ولا يمنشنك في قناة المشروع ويحجب عنك صلاحيات النظام ويؤخر اعتمادك على منصة سير العمل فيقطع عنك الأكسجين المهني رقميا
ويعطيك مهاما هامشية لا تظهر في تقارير الأداء ليبقيك خارج دائرة التطور والترقي
وهنا يلتقي النرجسي بالمنافق الإداري فتكتمل الصورة السامة
إذا حدث كذب في تقارير الإنجاز لينسب نجاح الفريق إلى قيادته الملهمة
وإذا وعد أخلف في وعود التطوير والتدريب والترقية التي نصت عليها سياسات الموارد البشرية
وإذا اؤتمن خان فاستخدم بياناتك وأفكارك في العروض التقديمية دون أن يذكر اسمك
فتصبح النتيجة بيئة عمل مستنزفة رغم وجود أحدث أنظمة التخطيط وأدوات الأتمتة
لأن التكنولوجيا وحدها لا تصنع حوكمة والحوكمة وحدها لا تحمي من نوايا سامة
فكيف نواجه هذا في ظل الإدارة الحديثة والجواب يبدأ من الفهم ثم البناء ثم الحماية
أول الفهم أن تعرف نفسك في إطار الكفايات فما نقاط قوتك الرقمية والمهنية وما مواطن ضعفك التي يمكن تطويرها
وثاني الفهم أن تعرف النظام فكل عملية اليوم لها أثر رقمي وتاريخ وزمن ومسؤول محدد وهذا هو سلاحك الأول ضد التهميش لأن ما لا يوثق لا يحدث في عصر الحوكمة
ثم ابن حدودا مهنية واضحة تتماشى مع سياسات الشركة لا مع مزاج شخص واسأل نفسك ما مدى تفاعلي معه أيومي هو أم أسبوعي أم ظرفي
واستخدم التحول الإلكتروني لصالحك فاجعل كل تكليف وكل موافقة وكل فكرة موثقة على النظام
الإيميل الرسمي وتذكرة العمل والتعليق على منصة المشروع كلها أدلة حوكمة تحميك وتحفظ حقك
ولا تعرض الفكرة كمواجهة بل كحل يخدم أهداف المؤسسة الاستراتيجية
قل هذا المقترح يرفع مؤشر رضا العميل لا تقل رأيك خاطئ لأن المدير السام لا يسمع أنت مخطئ ولكنه يسمع هذا يلمع صورتنا أمام مجلس الإدارة
وابن شبكة داخلية داخل المؤسسة وخارج نطاق سيطرته المباشرة ففي عصر العمل الهجين المعلومة لم تعد حكرا على مكتب المدير بل صارت على السحابة
وطالب بتطبيق مبادئ الحوكمة كالفصل بين الصلاحيات وتعدد مصادر الاعتماد فعندما لا يتوقف اعتماد مشروعك على شخص واحد يموت التهميش الناعم
واستخدم أدوات الأتمتة لقياس أدائك بموضوعية بعيدا عن التقييم الذاتي المتحيز فلوحة المؤشرات لا تكذب والأرقام لا تجامل وهي شهادتك أمام أي لجنة تقييم
وافصل بين قيمتك المهنية وبين معاملة شخص فالتهميش رسالة عنه لا عنك وهو انعكاس لخوفه من الانكشاف أمام البيانات والشفافية التي يفرضها التحول الرقمي
وضع خطة خروج استراتيجية فالإدارة الحديثة تقوم على المواهب فابحث عن بيئة تحتضن موهبتك
المؤسسات الذكية اليوم تقيس صحة بيئة العمل عبر مؤشرات الدوران الوظيفي ورضا الموظفين والمدير الذي يستنزف المواهب يصبح عبئا على الميزانية لا أصلا فيها
لذلك فالحل ليس فرديا فقط بل هو مسؤولية نظامية
على إدارة الموارد البشرية تفعيل قنوات إبلاغ آمنة محمية بالحوكمة
وعلى القيادة العليا ربط تقييم المدراء بمؤشرات بناء الفرق لا بهدمها
وعلى التحول الرقمي أن يشمل ثقافة المنظمة لا البرامج فقط
فالسلاح القديم للمدير السام كان الصوت العالي وسلاحه الجديد هو تعطيل النظام
وسلاحك أنت هو الوعي والتوثيق والحدود والبيانات
لا تحارب شخصا حارب ممارسة ولا تطلب تغيير إنسان اطلب تفعيل نظام
فالإدارة الحديثة لا تقاس بمن يلمع في الاجتماع بل بمن يبني عمليات تستمر بغيابه
والقائد الحقي في عصر الأتمتة هو من يجعل نفسه زائدا عن الحاجة لأن النظام يعمل
أما المدير السام فهو من يجعل النظام كله يتوقف على حضوره وخوفه
اختر أن تكون جزءا من الحل الرقمي لا ضحية للصراع الشخصي
فكرامتك المهنية في زمن الحوكمة لا تقاس بتصفيق مدير بل بأثر موثق لا يستطيع أحد محوه



















