تحولات العملات في افريقيا هل تودع الدولار ام تكتفي بتنويع مصادر التمويل

تشهد القارة الافريقية تحولات متسارعة في سياستها النقدية حيث لم يعد تقليص الاعتماد على الدولار مجرد شعارات سياسية بل اصبح واقعا ملموسا يتجسد في قرارات اقتصادية تمس الديون والتجارة اليومية. وتتجه العديد من الدول الافريقية نحو استخدام اليوان الصيني في معاملاتها المالية او عبر انشاء انظمة دفع محلية لتجاوز العملة الامريكية التي هيمنت لعقود على النظام المالي العالمي. وبينما يرى البعض في هذا التوجه استقلالا نقديا يرى اخرون ان القارة تعيد فقط توزيع اعتمادها الخارجي بين قوى دولية مختلفة.
واوضحت التقارير الاقتصادية ان التحركات الافريقية تتخذ ثلاثة مسارات رئيسية تختلف في جوهرها ومخاطرها. ويشمل المسار الاول تحويل الديون السيادية من الدولار الى اليوان كما فعلت بعض الدول لتقليل تكلفة الاقتراض. اما المسار الثاني فيركز على استخدام اليوان كعملة مكملة الى جانب الدولار والعملات المحلية في التجارة البينية. بينما يتمثل المسار الثالث في تفعيل انظمة تسوية افريقية موحدة تهدف الى الاستغناء عن العملات الوسيطة في المعاملات المالية داخل القارة.
وبينت البيانات المالية ان حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية لا تزال مرتفعة رغم تراجعها الطفيف مقابل صعود خجول لليوان. وتؤكد المؤشرات ان الدوافع الافريقية لهذا التحول هي دوافع اقتصادية بحتة تهدف الى خفض تكاليف المقاصة التي كانت تستنزف مليارات الدولارات سنويا عبر مرور المدفوعات من خلال مراكز مالية خارج القارة. واضاف الخبراء ان نمو التبادل التجاري مع الصين الذي بات يمثل نسبة كبيرة من تجارة افريقيا الخارجية جعل استخدام اليوان خيارا منطقيا لتقليل العمولات ومخاطر الصرف.
تحويل الديون الى اليوان بين الفرص والمخاطر
وكشفت تجربة كينيا في تحويل قروض مرتبطة بمشاريع البنية التحتية من الدولار الى اليوان عن وجود وفورات مالية واضحة في خدمة الدين. واكدت متابعات اقتصادية ان هذا النموذج يغري دولا اخرى مثل اثيوبيا لبدء مفاوضات مماثلة مع بكين. ورغم هذه المزايا حذر صندوق النقد الدولي من ان هذا المسار ينقل مخاطر العملة من الدولار الى اليوان مما يفرض على الدول الافريقية ضرورة تأمين تدفقات منتظمة من العملة الصينية لسداد التزاماتها المستقبلية.
واضاف المحللون ان هذا التحول يجعل الميزانيات الوطنية اكثر ارتباطا بالتقلبات الاقتصادية الصينية. وبينت الممارسة ان الاستفادة من هذه الخطوة تعتمد بشكل اساسي على قدرة الدولة على تعزيز صادراتها الى الصين للحصول على اليوان دون الحاجة لشراء الدولار اولا. واشار مراقبون الى ان هذه الاستراتيجية لا تلغي الاعتماد على العملة الصعبة بل تستبدل نوعا من الارتباط بنوع اخر اكثر تخصصا في العلاقة مع بكين.
وتابعت التقارير ان هذا التوجه لا يزال محدود النطاق ولم يتحول بعد الى استراتيجية قارية شاملة. واكدت ان الدول التي تقدم على هذه الخطوة توازن بين الرغبة في خفض الفوائد وبين المخاطر السياسية والمالية المرتبطة بتقلبات سعر صرف العملة الصينية. واوضحت ان نجاح هذه التجربة مرهون باستقرار العلاقات التجارية واستدامة الطلب الصيني على المنتجات الافريقية.
اليوان كعملة مكملة في النظام المالي الافريقي
واظهرت نيجيريا توجها مختلفا عبر تجديد اتفاقيات مقايضة العملة مع الصين لتسهيل التجارة المباشرة. واضافت مؤسسات مالية ان منح تراخيص لبنوك مقاصة الرنمينبي في افريقيا يعكس رغبة حقيقية في تنويع ادوات الدفع. وكشفت بيانات ستاندرد بنك عن معالجة معاملات بمليارات اليوانات مما يعزز فرضية ان اليوان اصبح جزءا من سلة العملات المستخدمة وليس بديلا شاملا للدولار.
واكدت قيادات مصرفية افريقية ان الشركات الصغيرة والمتوسطة هي الاكثر تضررا من تكاليف التحويل بالدولار. وبينت المباحثات الجارية مع بنك الصين ان الهدف هو خلق قنوات دفع مباشرة تقلل من الاحتياج للعملة الامريكية كطرف ثالث. واوضح الخبراء ان هذا السيناريو يؤسس لنظام متعدد العملات حيث يتعايش الدولار واليوان والعملات المحلية في بيئة واحدة.
وشدد خبراء الاقتصاد على ان هذا المسار هو الاكثر واقعية في المرحلة الحالية. واضافوا ان الدول الافريقية لا تملك ترف التخلي عن الدولار بسبب رسوخه في تسعير السلع العالمية. وبينت التوقعات ان المستقبل يتجه نحو مرونة اكبر في اختيار العملة المناسبة لكل عملية تجارية بناء على شركاء التبادل.
نظام بابس ومستقبل التسوية المحلية
ويعد نظام المدفوعات والتسوية الافريقي المسمى بابس اهم محاولة افريقية للاستقلال عن العملات الاجنبية في التجارة البينية. واضافت الهيئات القارية ان النظام يربط اليوم عشرات الدول ومئات البنوك لتسهيل التسوية بالعملات المحلية. وكشفت التقديرات ان التطبيق الكامل لهذا النظام قد يوفر مليارات الدولارات من تكاليف المعاملات التي كانت تضيع في مراكز المقاصة الخارجية.
واكد القائمون على المشروع ان هذا النظام لا يعني بالضرورة قوة العملات المحلية بل يعني كفاءة اكبر في استخدامها. وبينت المعطيات ان التحدي الحقيقي يكمن في ضعف بعض العملات الوطنية وتقلباتها الحادة. واضافوا ان النظام يمثل خطوة نحو التكامل المالي الافريقي وليس مجرد محاولة لاستبدال دولار بعملة اخرى.
وختاما تشير المؤشرات الى ان افريقيا تسير نحو تنويع نقدي ذكي. واكدت التحليلات ان الدول الافريقية تدرك ان الاستقلال النقدي الحقيقي يبدأ من بناء بنية تحتية مالية خاصة بها. وبينت ان المستقبل لن يكون لعملة واحدة بل لشبكة من المدفوعات التي تمنح القارة سيادة اكبر على تدفقاتها المالية.



















