+
أأ
-

امام امين عمان .. مشكلة اصطفاف السيارات على الأرصفة

{title}
بلكي الإخباري

 

كتب جمال عقل 

تشهد العاصمة الأردنية عمان، كغيرها من المدن العربية الكبرى، تحديات حضرية متزايدة، ولعل أبرزها وأكثرها إزعاجاً للساكن والمواطن هي ظاهرة اصطفاف السيارات بشكل عشوائي على الأرصفة ، وهذه الظاهرة ليست مجرد مشكلة مرورية أو جمالية فحسب، بل هي انعكاس لثقافة مجتمعية واجتماعية معقدة، تتشابك فيها عوامل عدة مثل ضعف الوعي، واللامبالاة، ونقص المواقف، والتطبيق غير الرادع للقوانين. 

ومن المؤكد أن  تداعيات هذه المشكلة تمس جوانب متعددة من الحياة اليومية، بدءاً من إعاقة حركة المشاة، مروراً بتشويه المظهر الحضاري للمدينة، وصولاً إلى التأثير السلبي على الحركة التجارية والاقتصادية.

وفي جوهر المشكلة يكمن ضعف الوعي المجتمعي بأهمية الأرصفة كمساحات عامة مخصصة لسير المشاة، واحتياجاتهم الأساسية ، بحيث يعتبر الرصيف امتداداً طبيعياً للملك العام، ومخصصاً لضمان حق المواطن في الحركة الآمنة والمريحة ،  فعندما تتعدى السيارات على هذه المساحات، فإنها تحرم فئات واسعة من المجتمع، وعلى رأسها كبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، والأمهات اللواتي يحملن أطفالهن، من حقهم الأصيل في التنقل بسهولة ، حيث يضطر هؤلاء غالباً إلى السير في الشوارع الرئيسية المزدحمة بالمركبات ، مما يعرضهم لمخاطر حقيقية، ويحول التنقل البسيط إلى تجربة مرهقة ومليئة بالقلق ،

وتتفاقم المشكلة بفعل نقص المواقف المخصصة للسيارات في العديد من أحياء عمان، خاصة في المناطق التجارية والأسواق المكتظة ، و يؤدي هذا النقص إلى لجوء السائقين إلى الحلول الأسهل والأسرع، وهي اصطفاف سياراتهم على الأرصفة ، معتبرين ذلك حلاً مؤقتاً لتجنب المخالفات أو البحث عن مواقف بعيدة ، في حين أن هذا قد يبدو منطقياً من وجهة نظر السائق الفردي ، إلا أنه يخلق واقعاً مريرًا للمشاة والباعة على حد سواء ، فالباعة الذين يعتمدون على محلاتهم  كمصدر رزق أساسي، يجدون أنفسهم في مواجهة مستمرة مع سائقين يقللون من شأن عملهم وحقهم في كسب العيش.

بالإضافة إلى ذلك ، تلعب ثقافة اللامبالاة أو الاستسهال دوراً كبيراً في هذا الأمر فبعض السائقين لا يعون الأثر السلبي لأفعالهم، أو قد يعتبرون أن مخالفة بسيطة لا تضر أحداً. هذا السلوك يتغذى غالباً على ضعف آليات الرقابة والتطبيق للقوانين والأنظمة المعمول بها ، على الرغم من وجود قوانين تجرم اصطفاف السيارات على الأرصفة ، إلا أن تطبيقها غالباً ما يكون غير كافٍ وغير صارم، مما يشجع على تكرار المخالفة ، كذلك فإن عدم وجود عقوبات رادعة، أو عدم الانتظام في تطبيقها ، يولد شعوراً بعدم الجدوى من الالتزام بالقوانين لدى شريحة من السائقين ،

إضافة إلى التشوه البصري الذي تحدثه السيارات المصطفة عشوائياً على الأرصفة والذي لا يمكن تجاهله ، حينها يتحول الرصيف الذي يفترض أن يكون مكاناً نظيفاً ومرتباً ، إلى ساحة عرض للسيارات ، مما يبعث برسالة سلبية عن مدى اهتمامنا بمدينتنا ومظهرها العام.

أيضا  تتراكم المشاكل البيئية ، حيث تعيق هذه السيارات حركة تنظيف الشوارع ، وتؤدي إلى تراكم النفايات في أماكن غير مخصصة لها ، كما أن حركة السير في الشوارع الرئيسية تصبح أكثر صعوبة وازدحاماً، حيث يضطر السائقون إلى المناورة بشكل خطير لتجنب السيارات المصطفة بشكل خاطئ ، مما يزيد من احتمالية وقوع الحوادث المرورية.

ومن الناحية التجارية، تتأثر المحلات التجارية والمقاهي التي تقع على الشوارع الرئيسية ، ففي الوقت الذي تسعى فيه هذه الأماكن لجذب الزبائن وتوفير تجربة مريحة لهم ، فإن وجود السيارات المصطفة على الأرصفة أمامها يقطع الطريق على المشاة، ويقلل من إمكانية الوصول إليها بسهولة ،  وهذا يؤدي إلى تراجع أعداد الزبائن ، وبالتالي التأثير سلباً على الحركة الاقتصادية لهذه المنشآت. 

ولمواجهة هذه المشكلة المعقدة، لا بد من تبني مقاربة شاملة ومتكاملة: 

-  أولاً، تأتي أهمية تعزيز الوعي المجتمعي من خلال حملات توعية مكثفة تستهدف مختلف شرائح المجتمع ، ويجب أن تركز هذه الحملات على إبراز أهمية حق المشاة في التنقل الآمن ، وتوضيح الآثار السلبية لاصطفاف السيارات على الأرصفة ، وتشجيع ثقافة احترام الملك العام ، ويمكن الاستعانة بوسائل الإعلام المختلفة، والمؤسسات التعليمية، والمؤسسات المجتمعية للوصول إلى أوسع شريحة ممكنة من الجمهور.

- ثانياً، يجب على أمانة عمان الكبرى والجهات المعنية، مثل إدارة المرور، تكثيف جهود الرقابة والتطبيق للقوانين ، يتطلب ذلك زيادة عدد عناصر الضبط المروري ، وتزويدهم بالأدوات اللازمة لفرض النظام ، مع التأكيد على تطبيق العقوبات بشكل صارم وعادل على المخالفين ، ويجب أن يشعر السائقون بأن هناك متابعة حقيقية وأن المخالفة ستؤدي حتماً إلى عقوبة.

- ثالثاً، لابد من إيجاد حلول عملية لمشكلة نقص المواقف ، يتضمن ذلك دراسة إمكانية إنشاء مواقف متعددة الطوابق في المناطق المكتظة، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في إنشاء مواقف، وتفعيل أنظمة المواقف المدفوعة بشكل مدروس يراعي القدرة الشرائية للمواطنين ، كما يمكن تشجيع استخدام وسائل النقل العام ، وتوفير بنية تحتية داعمة لها، لتخفيف الاعتماد على السيارات الخاصة.

- رابعاً، ينبغي إعادة النظر في تشريعات المرور المتعلقة بالاصطفاف، وتحديثها لتكون أكثر ملاءمة للواقع الحالي ، مع التأكيد على ضرورة الالتزام بها ، ويمكن أيضاً النظر في استخدام التقنيات الحديثة، مثل كاميرات المراقبة الذكية، لرصد المخالفات وتطبيقها بكفاءة أكبر.

وتبقى مشكلة اصطفاف السيارات على الأرصفة في العاصمة عمان قضية تتطلب تضافر الجهود من جميع الأطراف المعنية ،  لإنها ليست مجرد مشكلة مرورية ، بل هي قضية تتعلق بحقوق المواطن، وجودة الحياة في المدينة، والمظهر الحضاري للعاصمة ، من خلال تعزيز الوعي، وتطبيق القانون بحزم، وإيجاد حلول مبتكرة لنقص المواقف ، ويمكننا العمل نحو استعادة الأرصفة  لأصحابها الشرعيين، وهم المشاة ، وتحقيق بيئة حضرية أكثر أمناً، وراحة، وجمالاً. 

إن مستقبل عمان كمدينة حديثة ومزدهرة يعتمد على قدرتنا على معالجة مثل هذه التحديات، وتحويلها إلى فرص للتحسين والتطور.