د. هيفاء ابو غزالة : القرار واللامرئي .. الدولة والخوارزميات

لم يعد القرار السياسي أو الإداري يُصاغ داخل المؤسسات الرسمية وحدها، ولا يُبنى على التقديرات التقليدية فقط. في خلفية المشهد، هناك طبقة جديدة من الفهم والتحليل تتشكل بهدوء: الخوارزميات. هذه الأنظمة الرقمية لم تعد مجرد أدوات تقنية، بل أصبحت شريكًا فعليًا في قراءة الواقع وصياغة ملامح القرار، من إدارة المدن إلى فهم المزاج العام للمجتمع. وبينما تتحرك الدولة لاتخاذ قراراتها، تتحرك الخوارزميات في الخلفية لتقدم لها صورة أكثر تفصيلًا عن الشارع والسلوك والرأي العام، في علاقة معقدة تتداخل فيها السلطة مع البيانات، والقرار مع التحليل.
لم تعد الخوارزميات كيانًا غامضًا يعمل في الظل فحسب، بل أصبحت جزءًا من بنية الحكم الحديثة، شريكًا فعليًا وإن غير مُعلن في إدارة الدول وصياغة القرار. لم تعد المسألة صراعًا بين حكومات وتقنيات، بل علاقة معقدة من الاعتماد المتبادل، حيث تحتاج الدولة إلى هذه الأدوات بقدر ما تحاول ضبطها.
في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتضخم فيه البيانات، لم تعد الأدوات التقليدية كافية لفهم ما يجري. هنا تتدخل الخوارزميات بوصفها عقلًا تحليليًا قادرًا على قراءة اتجاهات الرأي العام، ورصد التحولات الاجتماعية، وحتى التنبؤ بالأزمات قبل وقوعها. تعتمد عليها الحكومات في إدارة قطاعات حيوية، من الأمن إلى الاقتصاد، ومن الخدمات العامة إلى التخطيط الاستراتيجي. بهذا المعنى، لا تُزاحم الخوارزميات الدولة على دورها، بل تعزز قدرتها وتوسّع نطاق رؤيتها.
ويمكن فهم هذه العلاقة بشكل أوضح عند النظر إلى كيفية إدارة المدن الحديثة. فحين نتأمل مشاريع المراقبة الذكية في الشوارع، مثل الكاميرات التي تُستخدم في تنظيم المرور ورصد المخالفات وتحسين انسيابية الحركة، فنحن لا نتحدث عن أدوات تسجيل فقط، بل عن منظومة خوارزمية تُحلل حركة المدينة لحظة بلحظة. هذه الكاميرات تُحوّل السلوك اليومي إلى بيانات قابلة للقراءة، تساعد في اتخاذ قرارات تتعلق بالإشارات المرورية، وتوزيع الدوريات، وتطوير البنية التحتية.
لكن أهمية هذه المنظومة لا تتوقف عند الشارع، بل تمتد إلى الفضاء الرقمي نفسه. فكما تُراقب الخوارزميات حركة المدينة المادية، فإنها تتابع أيضًا تفاعل المواطنين على المنصات الرقمية تجاه هذه المشاريع. ردود الفعل—قبولًا أو رفضًا—لا تُقرأ كآراء فردية فقط، بل تُحلل كاتجاهات اجتماعية تكشف مستوى الثقة، والمخاوف، وطبيعة العلاقة بين المواطن وأدوات الدولة الحديثة. وهكذا يصبح الأمن الاجتماعي جزءًا من معادلة رقمية مزدوجة: ما يحدث في الشارع، وما يُقال عنه في الفضاء الرقمي.
هذا التداخل يوضح أن الخوارزميات لا تخدم القرار فقط، بل تُسهم في تشكيل "صورة الواقع” التي يُبنى عليها القرار. فعندما تُظهر البيانات ازدحامًا في منطقة معينة، تُعاد هندسة الحركة المرورية. وعندما تكشف تفاعلًا اجتماعيًا واسعًا حول قضية ما، يُعاد التفكير في طريقة طرحها أو إدارتها. القرار يبقى بيد الدولة، لكنه لم يعد منفصلًا عن العين الرقمية التي تراقب وتحلل وتُقدّم قراءة مستمرة للمجتمع.
وفي المجال السياسي، يتعمق هذا التأثير أكثر، إذ لم يعد الخطاب موجّهًا إلى جمهور واحد، بل إلى أفراد تتشكل لديهم تصورات مختلفة وفق ما تعرضه لهم الخوارزميات. وهنا تتغير طبيعة الرأي العام، الذي لم يعد موحدًا كما في السابق، بل متعدد النسخ، يتشكل كل منها عبر مسار رقمي مختلف.
ورغم ما يثيره هذا الواقع من تساؤلات، فإنه لا يعني أن الخوارزميات استبدلت الدولة أو انتزعت قرارها، بل تشير إلى نموذج جديد من الشراكة، حيث تتداخل الخبرة البشرية مع القدرة التحليلية الرقمية. غير أن هذه الشراكة تبقى مشروطة بالوعي بحدودها، وبقدرة الدولة والمجتمع على فهم كيف تُصنع هذه الصورة الرقمية للواقع، ومن يملك حق تفسيرها وتوجيهها.
فلا يمكن اختزال العلاقة بين الدولة والخوارزميات في فكرة سيطرة طرف على آخر، بل في نموذج أكثر تعقيدًا من التكامل المشروط.
فالدولة ما زالت صاحبة القرار، لكن أدوات فهم الواقع تغيّرت جذريًا. والخوارزميات، بما توفره من تحليل فوري ودقيق، أصبحت جزءًا من هذا الفهم، لا بديلًا عنه. وبين الشارع الذي ترصده الكاميرات، والفضاء الرقمي الذي يعكس تفاعل المجتمع، يتشكل اليوم نمط جديد من الحكم يعتمد على رؤية مزدوجة: ما يحدث فعلًا، وما يُقال عنه. وفي هذا الفاصل الدقيق بين الواقع وصورته الرقمية، تُصاغ قرارات المستقبل


















