الحصن في عيد الفصح نموذج اردني للوئام

في شمال الأردن، وعلى امتداد السهول الخصبة التي تتكئ على ذاكرة حوران، تتربع مدينة الحصن في لواء بني عبيد، بوصفها واحدة من أقدم البلدات التاريخية في المملكة، حاملةً في اسمها ودلالاتها إرثاً حضارياً متراكماً، لا يقتصر على الحجر والآثار، بل يمتد ليشمل الإنسان وقيمه، حيث تتجلى في هذه المدينة صورة ناصعة للوئام بين الأديان، تتجدد مع كل مناسبة، وتزداد إشراقاً مع حلول عيد الفصح.
وتحمل الحصن في تسميتها دلالة واضحة على دورها التاريخي، إذ ان الاسم يعود إلى حصنٍ قديم أُقيم لأغراض دفاعية، لحماية القوافل والمسافرين على الطريق التجاري الذي كان يربط بلاد الشام بشمال الأردن، ولم تكن الحصن مجرد نقطة عبور، بل شكّلت مركزاً حضارياً مهماً مثّل نموذجاً للتعدد الثقافي والديني في ذاك الزمان.
رئيس منتدى الحصن الثقافي الدكتور خلدون نصير، يؤكد أن التعايش الإسلامي المسيحي في الحصن هو امتداد طبيعي لقيم الدين ويمتد لقرون طويلة وفق ما تناقلته الروايات الشفوية عن الآباء والأجداد، حيث تداخلت الحياة اليومية بين المسلمين والمسيحيين، وتحوّلت العلاقة إلى نسيج اجتماعي متين لا يتأثر بتبدل الأزمنة.
ولا يتوقف التعايش في الحصن عند حدود الروايات، بل يتجسد في تفاصيل الحياة اليومية التي ينقلها نصير، حيث اعتاد الأهالي على استقبال الأعياد المسيحية، وعلى رأسها عيد الفصح، بالتفاؤل والبركة، عبر تبادل الزيارات والتهاني، بما يعزز أواصر المحبة والألفة.
كما يروي أن جرس الكنيسة كان يُقرع أحياناً لتذكير المسلمين بصلاة العصر، دون أي حساسية أو استنكار، بل كجزء من حياة مشتركة قائمة على الاحترام.
ويستعيد قصصاً عن العلاقات الاجتماعية العميقة، مثل ارتباط عشيرة نصير بعشيرة الريحاني، حيث كانت العلاقات تتجاوز الدين لتصل إلى مستوى العائلة الواحدة، مستشهداً بقصة المرحوم أيوب الريحاني، المعروف بـ"أخو سيدة"، الذي رفض خروج عروس من آل نصير إلا بعد أن يأخذ عباءة العم، في دلالة على متانة الروابط الإنسانية.
ومن الشواهد الحية التي عاصرها نصير، مشاركة المسيحيين في بناء المساجد، حيث قام البنّاء جريس ببناء مأذنة مسجد صدام حسين في ثمانينيات القرن الماضي، بارتفاع 36 متراً، في مثال عملي على وحدة المجتمع.
من جانبه، يؤكد رئيس لجنة بلدية إربد الكبرى، المهندس عماد العزام، أن الحصن، كما محافظة إربد، تقدم نموذجاً متقدماً للتعايش، لا يُختزل في الخطاب، بل يُمارس يومياً.
ويصف المشهد العمراني على تل إربد قائلاً: "المسجد والكنيسة على ظهر التل يجسدان أسمى صور التعايش، حتى إن الناظر لا يستطيع التمييز بين قبة الكنيسة ومئذنة المسجد، وكأنهما بناء واحد".
ويضيف، إن الأعياد، وفي مقدمتها عيد الفصح، تعيد إبراز هذا النموذج، حيث تتسع البيوت للتهاني، وتُفتح القلوب قبل الأبواب، في صورة تعكس عمق النسيج الاجتماعي، مؤكدا أن هذا التماسك يشكل ركيزة أساسية للاستقرار والتنمية، وتعزيز قيم المواطنة والحوار، وصون الإرث الاجتماعي المتوارث.
الأديب والشاعر كامل عباسي، ابن الحصن، يستعيد بذاكرةٍ دافئة تفاصيل الحياة في القرية، حيث لم يكن الأطفال يدركون الفروق بين الأعياد، بقدر ما كانوا يعيشون فرحها.
يقول: "كنا نحتفل بأربعة أعياد: الفطر، والأضحى، والميلاد، والفصح، دون أن نميز بينها، كانت كلها فرصة لنجتمع، ونرتدي ملابس شبه جديدة، ونجوب بيوت الحارة بيتاً بيتاً".
ويضيف، إن العيديات كانت تتنوع بين الملبّس والتوفي والمخشرمة، وأحياناً "التعريفة"، وأن الأطفال لم يكونوا يعلمون أن بعض البيوت تحتفل بعيد مختلف، حتى كبروا واكتشفوا ذلك.
ويرسم عباسي صورة حية للحياة، حيث تفوح رائحة القهوة صباح العيد، وتعلو دقات المهباش، في موسيقى شعبية عابرة للحارات، بينما يجتمع الرجال لتبادل الزيارات.
وفي رمضان، يستعيد دور المسحراتي الذي لم يكن يميز بين بيوت المسلمين والمسيحيين، ولا يغادر إلا بعد أن يرى ضوء السراج بدد ظلمة البلدة، ليوقظ الجميع للسحور، قبل أن يعود في العيد كأول الزوار، ويحصل على "عيديته" من الجميع دون استثناء.
ويشير إلى أن عيد الفصح كان مناسبة لجمع الحلوى، تماماً كعيد الأضحى الذي تميّز بتوزيع اللحوم على جميع البيوت، في صورة من التكافل الاجتماعي.
وأكد إن الحصن لم تكن تختلف عن باقي القرى الأردنية في المودة والتقارب، حيث كانت تشارك بعضها الفرح والحزن، وتقف معاً في السراء والضراء، لافتا الى أن الحصن تُجسّد فكرة أن التعدد ليس تهديداً، بل ثراء، وأن الأديان، حين تلتقي في فضاء الاحترام، تصنع مجتمعاً أكثر إنسانية.
وفي زمن تتزايد فيه الانقسامات حول العالم، تظل الحصن تقول، بصمتٍ عميق، "هنا الأردن، وهنا الإنسان أولاً".
















