تغول السلطة ينكسر على صخرة التشريع.. حين تنهزم ميكافيلية الحكومة أمام توصيات لجنة العمل النيابية

كتب الناشر فادي العمرو :- في موازين القوى السياسية غالبا ما تصاغ القوانين المصيرية في الغرف المغلقة لتكون مجرد أدوات تقنية باردة لكن حين يتعلق الأمر بقانون الضمان الاجتماعي فنحن لا نتحدث عن نصوص جافة بل عن عقد اجتماعي يمس أمن المواطن في غده وجوهر العدالة التوزيعية في الدولة وما حدث مؤخرا في أروقة اللجنة النيابية المختصة يمثل ظاهرة سياسية وفلسفية تستحق التأمل حيث تصادمت الرؤية البيروقراطية للحكومة مع الإرادة الشعبية التي أعادت اللجنة إحياءها لتكشف عن فجوة عميقة بين نية السلطة في التمرير وحق المجتمع في التغيير
لقد اعتمدت الحكومة في مقاربتها على استراتيجية المكياج التشريعي وهي تقنية تهدف إلى إرسال مسودات القوانين الحساسة عبر مسارات تضمن لها مرورا آمنا بأقل الخسائر مع إحداث تغييرات شكلية ترضي الرأي العام دون المساس بجوهر الرؤية الحكومية الضيقة وكان الرهان الحكومي يسير باتجاه أن اللجنة ستمارس دورها الروتيني التقليدي لكن فشل التقدير الحكومي وقع حينما غاب عن ذهنها أن المؤسسة التشريعية حين تستعيد دورها الحقيقي تتحول من مجرد ممر إلى مختبر وطني يعيد فحص المسلمات وتفكيك النصوص بما يخدم الصالح العام لا المصلحة الإدارية الآنية
من هنا تحول أداء رئيس وأعضاء اللجنة من ممارسة مهمة تشريعية عابرة إلى حمل أمانة أخلاقية ثقيلة حيث كسر نهج الانفتاح غير المسبوق حالة العزلة التي تحاول السلطة التنفيذية فرضها على القوانين السيادية فبفتح الأبواب لكل فئات المجتمع تحول النص التشريعي من ورقة حكومية إلى وثيقة وطنية نابضة وأثبتت اللجنة أن الدور الرقابي ليس صدى لصوت الحكومة بل هو صمام أمان يحمي الحقوق المكتسبة مما خلق حالة من الاشتباك الإيجابي التي أربكت الحسابات الحكومية وجعلتها تكتشف أن المنتج النيابي جاء أقوى وأكثر إنصافا من أصل القانون الحالي
وعندما وجدت الحكومة نفسها أمام واقع تشريعي صلب يفوق سقف توقعاتها ويضع حقوق المشتركين فوق الحسابات المادية الجافة لم يتبق أمامها سوى الانسحاب التكتيكي تحت مسمى المراجعة وهو اعتراف ضمني بهزيمة الرؤية الأحادية أمام صلابة المبدأ التشاركي .
فلسفيا سقطت الحكومة في فخ الغطرسة الإدارية التي تفترض سكون المجتمع بينما نجح العمل البرلماني في قلب الطاولة ليقدم درسا في فلسفة القوة مفاده أن الشرعية الحقيقية للقانون لا تأتي من فرض النصوص من الأعلى بل من قدرتها على الصمود أمام اختبار العدالة والتمثيل الشعبي الحقيقي















