+
أأ
-

د. عدلي قندح : عندما يتدخل البنك المركزي!!

{title}
بلكي الإخباري

في الاقتصادات الصغيرة المفتوحة، يُقاس تدخل البنك المركزي بحجمه العددي وبقدرته على إعادة توجيه التوازنات الدقيقة بين السيولة والاستقرار، وبين التحفيز والانضباط. وما أعلنه البنك المركزي الأردني من حزمة إجراءات بقيمة تقارب 760 مليون دينار تُقرأ كاستجابة لظرف طارئ، وبنفس الوقت كممارسة ضمن الدور المناط بإدارة السياسة النقدية كحارس للاستقرار وفاعل تنموي ضمني يعمل بتنسيق مباشر وعميق مع السياسة المالية.

إن جوهر هذه المبادرات يكمن في إعادة ضخ السيولة بطريقة انتقائية، وليس عشوائية. فقرار خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي بنقطتين أساسيتين يعني تحرير موارد للبنوك، ويعكس فهمًا دقيقًا لمشكلة "تعطل قنوات الانتقال النقدي” (Monetary Transmission Mechanism)، حيث تصبح البنوك، في ظل حالة عدم اليقين، أقل ميلاً للإقراض رغم توفر السيولة. وهنا يأتي التدخل لتقليص هذا الاختناق، بما ينسجم مع الطرح الكينزي الذي يرى أن الأسواق لا تعود تلقائيًا إلى التوازن دون تدخل ذكي.

لكن الأهم هو أن هذه السيولة لم تُترك لتتدفق في الاقتصاد بشكل أفقي، بل جرى توجيهها نحو قطاعات محددة مثل السياحة والأمن الغذائي. وهذا يعكس تبني نهج أقرب إلى "السياسة الائتمانية الموجهة” (Directed Credit Policy)، التي عادت للواجهة عالميًا بعد الأزمات، باعتبارها أداة لتعزيز القطاعات ذات المضاعف الاقتصادي المرتفع. ففي اقتصاد مثل الأردن، يشكل قطاع السياحة مصدرًا حيويًا للعملات الأجنبية، بينما يمثل الأمن الغذائي ركيزة للاستقرار الاجتماعي، ما يجعل توجيه التمويل لهذين القطاعين قرارًا يتجاوز الاقتصاد إلى الأمن الوطني بمعناه الشامل.

ومن زاوية أعمق، فإن تقليص شهادات الإيداع يمثل خطوة ذكية في إعادة هيكلة منحنى العائد المحلي، حيث يتم تقليل الحوافز أمام البنوك للاحتفاظ بأموالها لدى البنك المركزي، ودفعها بدلًا من ذلك نحو الإقراض الحقيقي. هذه الخطوة تعكس فهمًا متقدمًا لأدوات السياسة النقدية غير التقليدية، التي لا تعتمد فقط على سعر الفائدة، بل على إدارة هيكل الحوافز داخل النظام المصرفي.

غير أن البعد الأكثر تطورًا في هذه الحزمة يتمثل في التنسيق المباشر بين السياسة النقدية والمالية، خصوصًا في تحمل الحكومة لأعباء الفوائد ضمن بعض البرامج. هذا النموذج يعكس تحولًا من الفصل التقليدي بين السياستين إلى ما يُعرف بـ"التكامل الوظيفي” (Functional Policy Mix)، حيث يتم توظيف الأدوات النقدية والمالية بشكل متناغم لتحقيق هدف مشترك: تحفيز النمو دون تعميق الاختلالات المالية.

وهنا يبرز البعد النظري بوضوح، إذ يمكن قراءة هذه السياسات في ضوء نموذج "IS-LM” الموسع، حيث يتحرك منحنى (LM) نتيجة زيادة عرض النقود، بينما يتم دعم منحنى (IS) من خلال الإنفاق أو التحفيز المالي غير المباشر. والنتيجة المتوقعة ليست فقط زيادة في الناتج، بل تحسن في ثقة القطاع الخاص، وهو العامل الأكثر حساسية في الاقتصادات الهشة.

أما على مستوى الآثار المتوقعة، فإن هذه المبادرات قد تؤدي إلى:

توسيع الائتمان الموجه، بما يعزز النمو في القطاعات الإنتاجية؛

تحسين سيولة السوق وتقليل كلفة التمويل؛

تعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية؛

رفع مستوى الثقة في السياسات الاقتصادية، وهو عنصر غالبًا ما يكون أكثر تأثيرًا من الأرقام ذاتها.

ومع ذلك، لا تخلو الصورة من تحديات، إذ إن ضخ السيولة في اقتصاد محدود القاعدة الإنتاجية قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية أو تسرب نحو الاستيراد، ما لم يُرافقه تحسن في جانب العرض. كما أن نجاح هذه السياسات يعتمد بشكل كبير على كفاءة الجهاز المصرفي في توجيه التمويل، وعلى قدرة الحكومة في الحفاظ على انضباطها المالي.

ما نريد قوله بهذا الخصوص هو أن ما نشهده هو حزمة تحفيزية وبنفس الوقت تفعيل لدور البنك المركزي في الاقتصاد الأردني في وقت الازمات. ولا شك أن هذه الخطوة استباقية هدفها تحقيق الاستقرار والتوازن.

وفي لحظة تتقاطع فيها الضغوط الداخلية مع التحولات الإقليمية، لا يبدو هذا التدخل مجرد إجراء مرحلي، بل ملامح لنهج جديد في إدارة الاقتصاد، حيث تتحول السياسة النقدية إلى أداة لإعادة تشكيل الأولويات لا فقط لمعادلة الاختلالات. وهنا تكمن المفارقة الأعمق: أن نجاح هذه السياسات لن يُقاس بحجم السيولة التي ضُخت، بل بقدرتها على تغيير سلوك الفاعلين الاقتصاديين، وتحفيز انتقال الاقتصاد من حالة الترقب إلى الفعل، ومن إدارة الندرة إلى صناعة الفرص .