د. جعفر النسور : الضمان الاجتماعي: بين الإصلاح المالي واختبار العدالة

يبدو مشروع قانون الضمان الاجتماعي المعدّل أقرب إلى عملية إعادة ضبط دقيقة للمعادلة المالية منه إلى مراجعة جذرية لفلسفة الحماية الاجتماعية التي يقوم عليها النظام. فالمحرّك الأساسي لهذه التعديلات يتمحور حول هاجس الاستدامة المالية، غير أن السؤال الأبرز يظل معلقًا خارج نطاق الحسابات الرقمية: هل تتحقق هذه الاستدامة عبر توسيع مظلة الحماية وتعزيزها، أم من خلال إعادة توزيع المخاطر داخل المنظومة الاستثمارية للضمان؟
الإصلاح الذي يكتفي بتحسين المؤشرات المالية قد يحقق نتائج آنية، لكنه لا يرقى إلى ضمان استدامة حقيقية لمنظومة الحماية الاجتماعية، والإصلاح المتوازن، القائم على المواءمة بين الانضباط المالي وترسيخ العدالة وتعزيز الثقة، هو الكفيل بالحفاظ على الضمان بوصفه شبكة أمان مجتمعي، لا مجرد معادلة حسابية خاضعة لمعادلات الربح والخسارة
وفي هذا السياق، يبرز رفع المدد اللازمة للتقاعد الوجوبي كإجراء يبدو منضبطًا من حيث الحسابات، لكنه يتجاهل بعض الحقوق المكتسبة، وأقل اتساقًا مع واقع سوق عمل يتسم بالتقلب والانقطاع وتعدد المسارات المهنية ، في حين يعكس الواقع هشاشة واضحة في فرص العمل وتبدلًا مستمرًا في أنماط التشغيل، ما يجعل بلوغ الاستحقاق التقاعدي لكبار السن أكثر صعوبة، وربما بعيد المنال لشريحة واسعة من المشتركين
إن جوهر الإشكالية لا يكمن في إعادة الهيكلة الإدارية بمسميات جديدة ، كمنصب "المحافظ”، بقدر ما يتمثل في النهج الاستثماري الذي استقر لعقود. فالتوسّع في الصلاحيات وإعادة ترتيب المواقع القيادية يثير تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة هذا النموذج على تحقيق توازن دقيق بين الكفاءة الإدارية من جهة، واستقلالية القرار الفني والرقابي من جهة أخرى
ويبرز البعد الاستثماري بوصفه عنصرًا حاسمًا في معادلة الاستدامة. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في تمديد سن التقاعد أو تشديد شروط الاستحقاق بقدر ما يكمن في كفاءة إدارة الأصول، وتطوير أدوات الاستثمار، وتنويعها بما يعزز قدرة النظام على الاستدامة وامتصاص الصدمات. كما تبرز الحاجة إلى نصوص قانونية تضبط إيقاع الاستثمار، وتحدد نسبًا واضحة لتوظيف الأموال، لا سيما في ما يتعلق بالسندات الحكومية التراكمية، بما يحد من التوسع غير المدروس في هذا الاتجاه
لقد أدى التوسع في الاقتراض الداخلي الحكومي خلال السنوات الماضية، والاعتماد على تصور يفترض انخفاض كلفة التمويل المحلي، إلى تكريس دورة مالية معقدة قائمة على إعادة تدوير الدين عبر إصدارات متتالية من السندات موجهة الى الضمان الاجتماعي دون غيرها ، وهو ما عمّق حالة التشابك المالي بدلًا من معالجتها
الاعتماد على أدوات استثمارية محدودة، أو التركيز على جهة واحدة، يرفع من مستوى المخاطر ويقيد مرونة إدارة المحافظ الاستثمارية. إذ إن غياب التنويع، سواء على مستوى الأدوات أو الأسواق أو الأصول، يضعف قدرة النظام على امتصاص التقلبات وتقليل حدة التذبذب
المطلوب اليوم، ليس مزيدًا من الإجراءات الحسابية في قانون الضمان، بقدرما هو مراجعة شاملة لتكريس مبدأ الحق الاجتماعي للمشتركين ، لا مجرد ملف مالي. وهذا لا يتحقق إلا من خلال إعادة النظر في السياسة الاستثمارية، وتوسيع أدواتها، مع تقليل الاعتماد على خيارات محدودة وضيط إيقاعها بنصوص تشريعية واضحة، بما يضمن توزيعا أكثر توازنًا للمخاطر ، ويعزز القدرة على تحقيق الاستدامة



















