+
أأ
-

بورتريه …… أندريه حواري ... ربان أتقن “ الإبحار و الحوار ”

{title}
بلكي الإخباري

 

 

كتب جمال عقل 

يمثل قانون الضمان الاجتماعي حجر الزاوية في بناء مجتمعات متماسكة وقادرة على توفير شبكة أمان لمواطنيها ، وفي خضم النقاشات المحتدمة والتحديات المعقدة التي غالباً ما تحيط بتشريع وتعديل مثل هذه القوانين ، يبرز دور الخبراء والمفكرين الذين يمتلكون القدرة على توجيه دفة الحوار نحو مسارات بناءة ومثمرة ، ويعد النائب أندريه حواري مثالاً جلياً على هؤلاء الرواد ، فهو لم يكن مجرد مشارك في الحوار حول قانون الضمان الاجتماعي ، بل كان رباناً ماهراً أتقن قيادة هذا الحوار ، موجهاً إياه نحو تحقيق أهداف سامية تتمثل في تحقيق العدالة الاجتماعية ، وتعزيز التكافل ، وضمان مستقبل آمن للمجتمع.

إن إتقان النائب حواري لقيادة الحوارات حول قانون الضمان الاجتماعي لا ينبع من فراغ ، بل هو نتاج لتراكم معرفي عميق ، وفهم دقيق للأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية لهذه القضية ، فقد استطاع عبر مسيرته المهنية ، أن ينسج خيوطاً تربط بين النظرية والتطبيق ، وبين متطلبات السوق وتطلعات المواطنين ، فهو يدرك أن قانون الضمان الاجتماعي ليس مجرد مجموعة من النصوص القانونية ، بل هو عقد اجتماعي يعكس قيم المجتمع ومدى قدرته على رعاية أفراده ، خاصة الفئات الأكثر ضعفاً.

وقد تجلت براعة حواري في قدرته على تبسيط المفاهيم المعقدة المتعلقة بالضمان الاجتماعي ، فغالباً ما تتسم النقاشات حول هذا القانون بمصطلحات فنية واقتصادية قد تبدو غامضة لغير المتخصصين ، إلا أنه كان يتمتع بملكة فريدة في شرح هذه المفاهيم بلغة واضحة ومفهومة في مختلف الاجتماعات التي عقدت ، مستخدماً أمثلة عملية وقصصاً واقعية تجعل الأبعاد الإنسانية للقانون في صدارة الاهتمام ، فهذه القدرة على التواصل الفعال سمحت له بجذب شرائح أوسع من المجتمع للمشاركة في الحوار ، سواء كانوا مسؤولين حكوميين حاليين او سابقين ، أو ممثلين عن أصحاب العمل والعمال والنقابات المختلفة ، وكذلك الهيئات الاجتماعية أو حتى المواطنين العاديين ، كونه بذلك لم يكتفِ بتقديم حلول تقنية ، بل ساهم في خلق فهم مجتمعي أوسع للقضية ، مما يمهد الطريق لقبول الحلول المقترحة وتطبيقها بفعالية ،

علاوة على ذلك ، تميزت قيادة الحواري للحوار بالشمولية والتوازن ، فهو لم يغفل عن أي من الأطراف المعنية ، بل سعى جاهداً لإشراك جميع الجهات الفاعلة ، والاستماع إلى وجهات نظرهم المختلفة ، وفهم مخاوفهم وتطلعاتهم في كثير من الأحيان .

 قد تتصارع مصالح بين فئات مختلفة عند مناقشة قوانين الضمان الاجتماعي ، مثل التوازن بين مساهمات أصحاب العمل والعمال، وبين كفاية المنافع المقدمة والقدرة المالية للدولة ، هنا برزت قدرته على بناء الجسور بين هذه الأطراف ، والبحث عن حلول وسطية تحقق أكبر قدر من العدالة والكفاءة والتوافق بين الجميع ، فكان منهجه يقوم على مبدأ أن قانون الضمان الاجتماعي الناجح هو القانون الذي يستفيد منه الجميع ولا يظلم فيه احد ، أو على الأقل لا يضر بأي طرف بشكل جوهري ،

ومن الأمثلة الحية على أسلوبه، قدرته على التعامل مع التحديات النصية  التي تواجه تمويل أنظمة الضمان الاجتماعي ، في ظل شيخوخة السكان، وتغير طبيعة العمل، وظهور أشكال جديدة من عدم اليقين الاقتصادي ، والتي قد  تواجه أنظمة الضمان الاجتماعي على صورة ضغوطاً مالية متزايدة .

لقد كان اندريه حواري سباقاً في الدعوة إلى دراسة الدراسة  الاكتوارية بكل تفاصيلها ، واستكشاف آليات تمويل مبتكرة تبعد شبح الخوف عن المشتركين ، مثل تنويع مصادر الدخل ، وربط المنافع بمعدلات التضخم ، وتشجيع الاستثمار المستدام لصناديق الضمان ، 

لذلك لم يكن يخشى طرح أفكار جريئة ، ولكنه كان دائماً يضعها في سياق علمي ومنهجي، مدعومة بالأرقام والتحليلات، مما يكسبها ثقة ومصداقية لدى صناع القرار كمحصلة لكل هذا المخاض من النقاش المتعدد .

كما أنه لم يتردد في مواجهة التحديات الجديدة التي تطرأ على مفهوم الضمان الاجتماعي. فمع تطور الاقتصاد الرقمي وظهور أشكال العمل الحر، أصبحت الحاجة ملحة لتوسيع نطاق الحماية لتشمل العاملين في هذه القطاعات على مختلف أحوالهم  ، فقد قاد النقاشات حول كيفية دمج هؤلاء العمال في أنظمة الضمان الاجتماعي ، ووضع آليات مرنة للاشتراك وتحصيل الحقوق .

ولم تكن رؤيته مقتصرة على القوانين القائمة ، بل كان يتطلع دائماً إلى المستقبل في كل طروحاته ، محاولاً استباق التغيرات الاجتماعية والاقتصادية وتقديم حلول استباقية.

لذلك فإن النجاح في قيادة حوارات قانون الضمان الاجتماعي يتطلب أكثر من مجرد المعرفة الفنية ؛ إنه يتطلب رؤية استراتيجية، وقدرة على التأثير ، ومهارات تفاوضية ونقاشية عالية ، وقد امتلك اندريه حواري هذه الصفات مجتمعة ، فقد كان قائدا للحوار موثوقاً به حيث قدم رؤيته وادارته للمساعدة في صياغة سياسات الضمان الاجتماعي في المستقبل ، ولم يكن دوره مقتصراً على رئاسة اللجنة فحسب ، بل امتد إلى بناء الحوار عبر استضافة أصحاب الاختصاص ، واستدعاء الخبراء، وتعزيز ثقافة الحوار البناء.

إن الإرث الذي يتركه  أندريه حواري في محصلة ترؤسه للجنة العمل والحوار حول  الضمان الاجتماعي لا يقاس فقط بالنتائج التي ستصدر عن اللجنة ،  بل أيضاً بالمنهجية التي اتبعها في قيادة الحوار ، فقد أثبت أن النقاشات حول قضايا المجتمع المعقدة يمكن أن تكون مثمرة ومنظمة ، وأن العلم والمعرفة يمكن أن يشكلا أساساً قوياً لاتخاذ قرارات صائبة ، فقد كان مثالاً يحتذى به في كيفية تحويل الخلافات إلى فرص للتفاهم ، وكيفية تحويل التحديات إلى محفزات للإبداع.

في الختام ، يمكن القول بأن  أندريه حواري قد جسد معنى الربان المتقن في قيادة الحوار حول قانون الضمان الاجتماعي ، لقد أبحر بالسفينة عبر المياه العاصفة للتحديات ، مسترشداً بنجوم المعرفة والخبرة، وبوصلة العدالة الاجتماعية.

وقد ترك بصمة واضحة خلال مناقشة قانون  الضمان الاجتماعي ، مما يساهم في تعزيز مبادئ التكافل والحماية الاجتماعية .

 لنستنتج أن قصته تلهم الأجيال القادمة من الخبراء  بأن قيادة الحوار الهادف والبناء هي مفتاح تحقيق التنمية المستدامة والرفاه الاجتماعي .