أطباء تحت القصف

د.عاصم منصور
لقد عودتنا الحروب أنها بلا أخلاق، لكن ما حدث في غزة خلال العامين الماضيين نقل انعدام الأخلاق إلى مستويات لم تعهدها البشرية من قبل، وتم كسر جميع المحرمات والخطوط الحمر، هذا إذا ما كان هناك خطوط من أي لون أصلا.
في هذا السياق جاء فيلم «غزة: أطباء تحت الهجوم» كلائحة اتهام لوحشية الاحتلال مكتملة العناصر، وتحقيق بصري تعامل مع القطاع الصحي في غزة كمسرح للجريمة لا كخلفية جانبية للمعارك. فقصة الفيلم لا تدور حول انهيار مبنى أو خروج مستشفى عن الخدمة فحسب، بل حول نمط متكرر يرينا أن الاستهداف لا يقع على الحجر وحده، وإنما على فكرة البقاء ذاتها، في ألا يبقى في المكان من يعالج، أو يشهد، أو حتى يحول دون أن يتحول الموت إلى قاعدة يومية.
مستشفى بعد آخر، وغرفة طوارئ بعد أخرى، أسماء ووجوه وأصوات تخرج من بين الركام لتقول إن ما يحدث ليس مجرد أضرار جانبية؛ فحين تتكرر الضربات على نحو يجعل القطاع كله بمستشفياته الستة والثلاثين في مرمى النيران، يصبح السؤال أكثر إلحاحا: أين يذهب الإنسان حين تُقصف آخر مساحة يفترض أنها محمية بالقانون والأعراف والحد الأدنى من القيم الإنسانية؟
والفيلم هنا لا يقدم إجابة مباشرة عن هذا السؤال، لكنه يترك المشاهد أمام قناعة قاسية تتشكل وحدها؛ فحين تُدمر المنظومة الصحية، لا يُقاس الخراب بعدد الأسرة أو الأجهزة فقط، بل بسنوات الخبرة التي تُسرق وبأجيال كاملة تُدفع إلى العجز، لأن إعادة بناء الجدران أيسر بكثير من إعادة بناء الكادر الذي يصنع الحياة داخلها.
لا يكتفي الفيلم بالمشهد العام؛ بل يقترب من تفاصيل المهنة وهي تُؤدى في ظروف يستحيل معها العمل، أطباء يجرون عمليات تحت ضوء الهواتف، جروح تتعفن لأن الماء والكهرباء والدواء ترفٌ غير متاح، وازدحام يختصر المعنى كله، حيوات كثيرة تنزف في مكان واحد، بينما العالم يتفرج من خارج الإطار.
ومع ذلك، لا يراهن العمل على مشاهد الدم رغم وفرتها بقدر ما يراهن على الشهادات التي تلتقطها كاميرا قريبة، ولقطات خاطفة لا تمنح العين رفاهية الاعتياد، وتضع المشاهد أمام حقيقة واحدة، أن ما يحدث أكبر من قدرة الصورة على الاحتمال.
الطبيب هنا ليس شاهدا فحسب، بل ضحية محتملة في كل لحظة، لأن الاستهداف لا يتوقف عند المستشفى، حيث يمر الفيلم على نماذج لأطباء فقدوا عائلاتهم تحت القصف، وآخرين انتهوا إلى الاعتقال والتنكيل، وبعضهم لم يعد أصلا ليحكي. هذه القصص الشخصية لا تُستخدم لإثارة الشفقة؛ بل لتثبيت معنى بالغ الخطورة؛ فحين يصبح الطبيب «عنصرا خطرا» في نظر القوة الغاشمة، فذلك يعني أن وظيفة الشفاء نفسها تُعامل كتهديد، وأن إبقاء الناس أحياء قد صار فعلا سياسيا يُعاقَب عليه.
ولكي لا يبقى الأمر في حدود الانطباع، فإن الأرقام التي تراكمت خلال الحرب تؤكد أن الخسارة في صفوف الطواقم الصحية ليست هامشية، فوفق تقديرات وكالات أممية وجهات حقوقية ودولية متعددة بلغ عدد الضحايا من أبناء القطاع الصحي أكثر من 700 شهيد إضافة إلى آلاف الجرحى ومئات حالات الاعتقال والاحتجاز، واليوم يتكرر الأمر ذاته في جنوب لبنان حيث بلغ عدد الشهداء من أبناء الطاقم الصحي خلال أكثر من سبعين يوما شهرا واحدا، والرقم مرشح للارتفاع.
لكن الضجة التي أحاطت بالفيلم لم تتأتَّ من موضوعه وحده، بل من مصيره داخل دهاليز محطة بي بي سي التي قامت بإنتاجه ثم لم تلبث أن تراجعت عن بثه بضغط من اللوبي الصهيوني في سقطة إعلامية وأخلاقية تضاف إلى سجل المحطة الحافل بغياب المهنية إذا ما تعلق الأمر بالقضية الفلسطينية، لكن الفيلم وجد طريقه للعرض عبر شاشة بريطانية أخرى، كما تم ترشيحه مؤخرا لجائزة بافتا المميزة.
















