عن المحافظ الالكترونية وإدارة المخاطر المالية وسيناريوهات قطع خطوط الانترنت..... كتب الخبير المالي والمصرفي محمد عاشور

في مثل هذه الأوضاع التي يمر بها العالم، ومنطقتنا تحديدًا، تتزايد التساؤلات حول الخيار الأفضل للتعامل مع المدخرات، خصوصًا أننا أمام أزمة مركّبة. فلأول مرة في التاريخ نكون أمام حـ..رب تلعب فيها التكنولوجيا والإنترنت الدور الأكبر، وهو دور يتعاظم كما في كل مجالات الحياة المدنية، وفي مقدمتها المجالات الاقتصادية والمصرفية.
تتميّز هذه الحـ..رب بتهديد مصادر الطاقة والهجـ.مات الإلكترونية والسيبرانية، وهنا يتشكل سؤال كبير ومهم: كيف أحافظ على أموالي من حيث القيمة، ومن حيث استمرارية تحقيق الهدف منها في سدّ الاحتياجات الحياتية؟
ففي العادة يلجأ الغالبية العظمى من الناس إلى ادخار أموالهم في البنوك، خصوصًا مع توسّع استخدام بطاقات الدفع الإلكترونية بمختلف أنواعها، والتي سهّلت عمليات التسوق وقلّلت الاعتماد على النقد. وقد تعزّز هذا التوجّه بشكل كبير خلال سنوات جائـ..حة كور...ونا، إضافة إلى تراجع تداول النقد نتيجة انتشار المحافظ الإلكترونية وتفعيل أنظمة الدفع الفوري مثل “كليك”.
لكننا، وفجأة، أمام هذه الحـ...رب الكبرى، نقف أمام أسئلة شديدة الأهمية:
ماذا لو انقطعت خطوط الإنترنت؟
ماذا لو تعرّضت الخوادم التي تدير هذه الأنظمة لهجمات سيبرانية؟
ماذا لو انقطعت الكهرباء؟
وهذه كلها احتمالات قائمة وحقيقية، وليست خيالًا أو مبالغة.
لهذا، وفي مثل هذه الظروف، يجب علينا اللجوء إلى أحد أهم أدوات إدارة المخاطر، وهي التوزيع.
بمعنى توزيع المدخرات على أكثر من وسيلة، بحيث يتم تخصيص جزء منها كسيولة مباشرة للبقاء اليومي، ويكون النقد “الكاش” في المقام الأول، يليه المحافظ الإلكترونية (مع ربطها ببطاقات الدفع الخاصة بها)، وجزء آخر يُخصّص كوسائل استقرار مالي متوسطة المدى، ممثّل بالحسابات البنكية.
وهنا يطرح البعض سؤالًا: هل نحول مدخراتنا إلى عملات أجنبية، وخصوصًا الدولار؟
الإجابة في حالة مثل الأردن فهناك استقرار نقدي واضح، بفضل سياسات البنك المركزي الأردني التي أثبتت فعاليتها في أكثر من اختبار، إضافة إلى ارتباط الدينار بالدولار.
و لذلك يُعتبر التحويل الكامل للمدخرات قرارًا متسرّعًا، وقد يترتب عليه خسائر عند إعادة التحويل إلى الدينار بعد انتهاء الأزمة (وهذا حدث سابقًا).
لكن في المقابل، قد يكون التحويل الجزئي خيارًا مفهومًا ومنطقيًا، ضمن سياسة تنويع المخاطر وليس استبدالها خصوصاً وان الازمة عالمية وليست خكرا على بلد او منطقة.
أما فيما يتعلق بالذهب، فيبقى أحد أهم أدوات الحماية طويلة الأمد، رغم ما قد يشهده من تقلبات ارتفاعاً او انخفاضاً مؤقتة في السعر. فالذهب لا يُقاس بأدائه اليومي، بل بقدرته على الحفاظ على القيمة عبر الزمن، خصوصًا في أوقات الأزمات الممتدة أو اضطراب العملات. ومع ذلك، فإن الاعتماد عليه بشكل كامل لا يُعد خيارًا عمليًا، نظرًا لضعف سيولته في التعاملات اليومية والحاجة إلى بيعه أو تحويله عند الاستخدام. لذا، فإن إدخاله ضمن منظومة التوزيع كجزء من المدخرات، وليس كبديل شامل، يُعد خيارًا متوازنًا يجمع بين الأمان والمرونة.
فنجاعة الادارة المالية في مثل هذه الظروف لا تتحقق بالاعتماد على أداة واحدة، مهما بدت قوية، بل ببناء توازن بين السيولة، والاستقرار، والحماية طويلة الأمد. وعليه، فإن التوزيع المدروس للمدخرات يبقى القـ.اعدة الأهم، ليس فقط لتجاوز الأزمات، بل للتحقيق متطلبات الحياة اليومية .



















