+
أأ
-

العقبة تشرع أبواب "الخير" قبل هلال رمضان

{title}
بلكي الإخباري

العقبة - في أزقة "الشلالة" و"البلدة القديمة" وأطراف "الكرامة"، لا صوت يعلو فوق صوت الاستعداد لمعركة من نوع خاص؛ معركة تشنها الإنسانية ضد العوز، ويقودها جيش من المتطوعين والجمعيات الخيرية لضمان ألا يهل هلال شهر رمضان المبارك وفي العقبة بيت بلا طعام، أو أسرة ينهشها القلق.

 

 

قبل أيام من حلول الشهر الفضيل، تحولت المستودعات الخلفية للجمعيات الخيرية إلى خلايا نحل لا تهدأ، إذ يصطف عشرات الشبان والفتيات في سلاسل بشرية منتظمة، يتناقلون أكياس الأرز والسكر، وعبوات الزيت، وصناديق التمور، لتستقر أخيراً داخل طرود كرتونية محكمة الإغلاق، ستجد طريقها بصمت وستر إلى بيوت المستحقين.

هذا المشهد، الذي رصدته "الغد" في جولة ميدانية واسعة، يمثل استجابة مجتمعية عفوية ومنظمة في آن واحد لواقع اقتصادي ضاغط، فرضته تحديات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، ليصبح "التكافل الاجتماعي" خط الدفاع الأول عن الأمن المعيشي لآلاف الأسر في ثغر الأردن الباسم.

سباق مع الزمن.. وغرفة عمليات مفتوحة

داخل مقر إحدى الجمعيات النشطة في المحافظة، يبدو المشهد أشبه بـ"غرفة عمليات"، القوائم الورقية والملفات الرقمية تغطي الطاولات، والهواتف لا تتوقف عن الرنين.

تقول رئيسة جمعية رؤيا الخيرية تمام الرياطي "إن الاستعداد لرمضان هذا العام مختلف، فقد بدأنا التحضير قبل شهرين كاملين للوصول الحقيقي لكل معوز ومحتاج من أبناء وسكان العقبة"، وتشرح لـ"الغد" تفاصيل هذه "اللوجستيات الإنسانية"، قائلة "قمنا بتحديث قاعدة بياناتنا بالتعاون مع مديرية التنمية الاجتماعية وصندوق المعونة الوطنية بهدف توزيع ما يزيد على 900 طرد غذائي متكامل يكفي الأسرة لمدة أسبوعين على الأقل، بالإضافة إلى قسائم شرائية ومساعدات نقدية للأسر من الأشد فقراً، إضافة إلى مطبخ إنتاجي تابع للجمعية الخيرية لتوزيع وجبات الإفطار كل يوم على المحتاجين بما لا يقل عن 100 وجبة يومية، وقبل حلول عيد الفطر السعيد نوزع كوبونات ملابس على الفئة ذاتها".

وتشير الرياطي إلى نقطة جوهرية تتعلق بنوعية المستفيدين، موضحة "لم نعد نتحدث فقط عن الأسر الفقيرة التقليدية المسجلة لدينا منذ سنوات، حيث هناك فئة جديدة دخلت دائرة الحاجة، نسميها (المستورين) أو الفقراء الجدد؛ وهم أرباب أسر لديهم وظائف لكن رواتبهم تآكلت بفعل التضخم ولم تعد تكفي لتأمين مائدة رمضان، هؤلاء هم التحدي الأكبر لأنهم لا يطلبون المساعدة تعففاً".

لغة الأرقام.. مؤشرات

تضاعف المسؤولية

ووفقاً لبيانات دائرة الإحصاءات العامة، ومؤشرات الفقر الوطنية، يرزح جزء لا يستهان به من المجتمع الأردني تحت ضغوط اقتصادية هائلة؛ حيث تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن معدلات التضخم التي شهدتها المملكة خلال العامين 2022 و2023، والتي تركزت بشكل أساسي في أسعار الغذاء والوقود، ألقت بظلال ثقيلة على القدرة الشرائية للمواطن، وفي مدينة مثل العقبة، التي تعتمد بشكل كبير على السياحة والخدمات اللوجستية، تتأثر الأسر بشكل مباشر بأي تذبذب في الحركة التجارية.

وبحسب الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الطراونة، فإن "شهر رمضان يشكل تقليدياً صدمة في الطلب الاستهلاكي، حيث يرتفع إنفاق الأسرة الأردنية بنسبة تتراوح بين 30 % و50 % مقارنة بالأشهر العادية"، مؤكدا "أنه في ظل ثبات الدخول وارتفاع الأسعار، تتسع الفجوة التمويلية لدى الأسرة، وهنا يأتي دور القطاع الثالث (الجمعيات الخيرية) لسد هذه الفجوة، فالطرد الغذائي الذي قد يبدو بسيطاً، يوفر على الأسرة ما يقارب 50 إلى 70 ديناراً، وهو مبلغ يمكن توجيهه لسداد فواتير الكهرباء أو المياه".

وتظهر أرقام وزارة التنمية الاجتماعية أن عدد الجمعيات الخيرية في المملكة تجاوز 6500 جمعية، إلا أن العبرة، حسب مراقبين، ليست في العدد بل في "كفاءة التوزيع" و"عدالة الوصول"، وهو ما تحاول مديريات التنمية ضبطه عبر منصات إلكترونية موحدة تمنع الازدواجية في تلقي المعونات.

مفارقة العقبة.. اقتصاد

مزدهر وجيوب فقر

قد يبدو الحديث عن الفقر في العقبة، المنطقة الاقتصادية الخاصة التي تضخ المليارات في شريان الاقتصاد الوطني، أمراً مستغرباً للبعض، لكن "الغد" غاصت في تفاصيل هذه المفارقة، حيث تتميز العقبة بنشاط سياحي وتجاري ضخم، لكن هذا النشاط لا ينعكس بالضرورة وبالتساوي على شرائح المجتمع المحلي كافة، فهناك شريحة واسعة من العمالة غير المنظمة، وصيادي الأسماك، وعمال المياومة في الموانئ والخدمات، وهؤلاء هم الأكثر هشاشة أمام المتغيرات الاقتصادية.

يقول "أبو محمود"، وهو صياد سمك ستيني، بلهجة ملؤها الأسى والرضا في آن واحد: "البحر غدار، يوم يعطيك ويوم يمنعك، ورزقنا يومي، خاصة مع إيقاف الصيد لمدة 4 أشهر وإعطائنا مبلغ 400 دينار من سلطة العقبة الاقتصادية الخاصة مقابل التوقف، وهذا المبلغ لا يكفي لعائلة"، مشيرا إلى أن "رمضان شهر خير وبركة، لكن مصاريفه تكسر الظهر لولا وقفة أهل الخير والجمعيات التي تتذكرنا قبل الشهر الفضيل، لكان الوضع كارثياً".

ويضيف أبو محمود "أن الناس يظنون أن كل من يسكن العقبة مرتاح مادياً، لا يعلمون أن إيجارات البيوت هنا مرتفعة، وأسعار الخضار والفواكه أغلى من المحافظات الأخرى لأنها تأتينا من الخارج. المبادرات الخيرية هي سند حقيقي لنا".

هذه الشهادة الحية تتقاطع مع تأكيدات مصادر في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، التي تشير إلى أن السلطة تدرك هذه الفجوة، وتعمل عبر ذراعها للتنمية المجتمعية على دعم المبادرات المحلية وتوجيه دعم الشركات الكبرى نحو المناطق الأقل حظاً داخل المحافظة والقرى المحيطة بها (قصبة العقبة، الديسة، القويرة، ووادي رم).

الشباب.. وقود المعركة الإنسانية

في الجانب المضيء من الصورة، يبرز الشباب الأردني في العقبة كعنصر حاسم في معادلة التكافل، لم يعد العمل التطوعي مجرد "فزعة" عشوائية، بل تحول إلى عمل مؤسسي منظم تقوده كفاءات شابة تستخدم التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي.

تقول منسقة إحدى المبادرات غدير محمد "نحن جيل لا ينتظر الوظيفة ليخدم مجتمعه، فالعمل التطوعي أصبح جزءاً من هويتنا ونستخدم مجموعات واتساب وفيسبوك لجمع التبرعات، ونقوم بتوثيق الحالات بالصور (مع مراعاة الخصوصية) لتعزيز ثقة المتبرعين"، مؤكدة "ما يميز عملنا هذا العام هو التركيز على الجانب النفسي والمعنوي، حيث إننا لا نرمي الطرد أمام الباب ونمشي، نحن نتحدث مع كبار السن، ونشعرهم بأنهم جزء من عائلتنا الكبيرة، هذا التلاحم الاجتماعي هو جوهر رمضان".

وتشير بيانات وزارة الشباب إلى انخراط أكثر من 120 ألف شاب وشابة في برامج التطوع والهيئات الشبابية خلال العام الماضي، وتعد العقبة من المحافظات الرائدة في هذا المجال نظراً لطبيعة مجتمعها المتماسك.

شركات العقبة..

مسؤولية تتجاوز الربح

وباتت الفنادق الكبرى من فئة الخمس نجوم، شركات اللوجستيات، والمصانع الكبرى، تدرك أن استقرار المجتمع المحلي هو جزء من استقرار أعمالها.

يقول العامل في القطاع الفندقي وضابط ارتباط لمبادرات مجتمعية في العقبة محمد الطهراوي "إن المسؤولية المجتمعية بند مهم في ميزانياتنا، حيث نخصص جزءاً سنوياً لدعم المجتمع المحلي، ويتضاعف هذا الدعم في رمضان"، مشيرا إلى أن "المسؤولية المجتمعية لدى الفندق والقطاعات الأخرى لا تكتفي بالتبرعات المالية، وإنما هناك مطابخ خاصة بالفنادق تقوم بإعداد وجبات الإفطار يومياً، يتم توزيعها بالتعاون مع الجمعيات الخيرية على الأيتام والأسر العفيفة، وبمواصفات الجودة نفسها التي نقدمها لزبائننا، معتبرا "الكرامة الإنسانية خطا أحمر".

هذا التوجه تؤكده غرفة تجارة العقبة، التي رصدت توسعاً ملحوظاً في برامج المسؤولية المجتمعية للشركات، وتحولها من التبرع العشوائي إلى الشراكات المستدامة مع مؤسسات المجتمع المدني لضمان أثر تنموي حقيقي.

ويشير نائب رئيس غرفة تجارة العقبة أحمد الكسواني إلى أن برامج المسؤولية المجتمعية للشركات في العقبة شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولاً نوعياً في طبيعة عملها وآليات تنفيذها، إذ لم تعد تقتصر على تقديم التبرعات الموسمية أو المبادرات المؤقتة، بل اتجهت نحو بناء شراكات مستدامة مع مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية بما يحقق أثراً تنموياً طويل المدى.

ويوضح، في تصريح لـ"الغد"، أن القطاع التجاري في العقبة، بحكم خصوصية المدينة الاقتصادية والسياحية، بات أكثر وعياً بأهمية دوره الاجتماعي إلى جانب دوره الاقتصادي، مشيراً إلى أن العديد من الشركات والمؤسسات التجارية بدأت تعتمد خططاً سنوية واضحة للمسؤولية المجتمعية، تتضمن برامج دعم للأسر المحتاجة، وتمويل مبادرات التدريب والتأهيل المهني، والمساهمة في مشاريع تنموية تستهدف الفئات الأقل حظاً.

ويضيف الكسواني أن غرفة تجارة العقبة تعمل على تشجيع منتسبيها من التجار وأصحاب الأعمال على تبني نهج مؤسسي في العمل الخيري، يقوم على دراسة احتياجات المجتمع المحلي والتنسيق مع الجهات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني لضمان توجيه الموارد بشكل أكثر كفاءة وعدالة، مؤكدا أن الغرفة تسعى إلى تعزيز ثقافة الشراكة المجتمعية بين القطاع الخاص والجمعيات الخيرية، بما يسهم في تحقيق التنمية الاجتماعية المستدامة، وليس فقط تقديم مساعدات ظرفية.

موائد الرحمن.. ملتقى

التنوع الاجتماعي

في العقبة، المدينة التي تضم خليطاً سكانياً متنوعاً من أبناء المحافظات وعمال وافدين من جنسيات مصرية وآسيوية، تتحول الموائد إلى ساحات للتلاقي الإنساني.

يقول الشيخ يوسف الطراونة، إمام مسجد الشيخ زايد في العقبة والمشرف على مائدة رحمن سنوية "مائدتنا تستقبل الجميع.. العامل الوافد يجلس بجانب ابن البلد، وعابر السبيل بجانب المحتاج، ولا نسأل أحداً عن هويته، وهنا تتجسد الآية الكريمة (وَيْطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ)".

وتشير التقديرات المحلية إلى أن عدد موائد الرحمن في العقبة تضاعف، خلال السنوات الخمس الماضية، بفضل تبرعات المحسنين ورجال الأعمال، لتصل سعتها الإجمالية إلى آلاف الوجبات يومياً.

تقول الناشطة الاجتماعية حنين المجالي "رغم هذه الصورة المشرقة، لا يخلو العمل الخيري من تحديات، فالعشوائية ما تزال تعيق بعض الجهود"، مضيفة "أحياناً تتلقى أسرة واحدة مساعدات من ثلاث جهات مختلفة، بينما تحرم أسرة جارة لها من أي مساعدة بسبب غياب التنسيق"، لافتة إلى أن "الحل يكمن في قاعدة بيانات وطنية موحدة، تربط الجمعيات والجهات الحكومية، وهو ما بدأت وزارة التنمية العمل عليه مؤخراً، لكننا بحاجة لتسريع التطبيق".