+
أأ
-

المستشفيات الحكومية .. عندما يتجاوز المال حياة المرضى

{title}
بلكي الإخباري

 

خاص

الكل يدرك أن المستشفيات الحكومية تعتبر الركيزة الأساسية للنظام الصحي في معظم الدول، فمن المفترض أن تكون الملاذ الآمن والضامن لحق المواطن في الرعاية الصحية،  بغض النظر عن وضعه المادي. كونها تعتبر  تجسيدا للمسؤولية الاجتماعية للدولة تجاه أفرادها، وخط الدفاع الأول عن حياة المواطنين وصحتهم ،  ومع ذلك يواجه هذا القطاع الحيوي تحديات جسيمة في عصرنا الحالي، حيث يبدو في بعض الاحيان أن اعتبارات التمويل والإدارة المالية قد بدأت تطغى على الهدف الأسمى وهو تقديم العلاج الفعال والمنقذ للحياة. ولكن  السؤال المطروح هنا هو : إلى أي مدى يمكن تجاوز تأثير المال على سير العمليات داخل المستشفيات الحكومية، وهل أصبح توفير الموارد المالية هو المحدد الأول لمصير المريض؟

من المسلم به أن جودة الرعاية الصحية الحكومية تعتمد بشكل مباشر على التخصيص المالي الكافي والمستدام،  عندما تعاني الميزانيات المخصصة لهذه المؤسسات من نقص مزمن، فإن ذلك ينعكس بشكل مباشر على ثلاثة محاور رئيسية: البنية التحتية والمعدات، الكوادر البشرية، وتوافر الأدوية والمستلزمات الطبية ،  فالمستشفيات الحكومية غالبًا ما تعمل تحت ضغط هائل بسبب زيادة أعداد المترددين عليها، وهي الزيادة التي لا تتوازى دائمًا مع زيادة الميزانية التشغيلية، هذا النقص المالي يؤدي إلى تقادم المعدات الطبية وعدم القدرة على استبدالها أو صيانتها بكفاءة، مما يهدد دقة التشخيص وتوفر الإجراءات الجراحية المعقدة.

حيث تتجلى المشكلة بوضوح في قوائم الانتظار الطويلة للجراحات الاختيارية أو حتى بعض الإجراءات الضرورية. فكل هذه القوائم ليست نتاج سوء إدارة فحسب، بل هي نتيجة مباشرة لعدم كفاية عدد غرف العمليات العاملة، أو قلة التمريض المتخصص المطلوب لمتابعة الحالات بعد الجراحة، أو حتى نقص قطع الغيار اللازمة للأجهزة المعقدة.

 ففي مثل هذه الظروف، قد يتأخر مريض يعاني من ورم حميد و يتطلب استئصالاً سريعاً، مما قد يحول حالته إلى أكثر تعقيدًا أو يسبب له آلامًا مزمنة غير ضرورية، هنا يصبح المال هو الفاصل بين الانتظار والشفاء العاجل.

علاوة على ذلك، التمويل المحدود يؤثر بشكل كبير على استقطاب الكفاءات الطبية والاحتفاظ بها ، فغالبًا ما تقدم القطاعات الصحية الخاصة رواتب ومزايا تفوق بكثير ما تقدمه المستشفيات الحكومية، مما يدفع الأطباء والممرضين ذوي الخبرة إلى الهجرة أو الانتقال للقطاع الخاص. هذا النزيف للكفاءات يؤدي إلى الاعتماد على عدد أقل من الأطباء ذوي الخبرة للتعامل مع أعداد أكبر من المرضى، مما يزيد من احتمالية الإرهاق المهني،  ويقلل من الوقت المخصص لكل مريض،  فالوقت الذي يقضيه الطبيب مع المريض هو سلعة ثمينة لا يمكن شراؤها إلا بضمان تمويل كافٍ يدعم هيكل أجور تنافسي.

أما في سياق الأدوية والمستلزمات، فتشكل قضايا المناقصات والبيروقراطية المتعلقة بالشراء تحديات إضافية تتأثر بالمال العام ،  قد تضطر الإدارات حينها إلى شراء كميات أقل من الأدوية الحديثة أو عالية التكلفة، أو قد تواجه نقصًا مفاجئًا في مواد حيوية بسبب تأخر صرف الاعتمادات المالية ،  فعندما يواجه مريض سرطان دواءً فعالاً ولكنه باهظ الثمن، فإن اعتماده على قائمة الأدوية المتاحة في المستشفى الحكومي يصبح مسألة حياة أو موت ومرتبطة بالقرار المالي وليس بالبروتوكول الطبي الحديث.

وعلى الرغم من هذه التحديات التي يفرضها شح الموارد، من الضروري عدم إغفال الجهود المبذولة داخل المنظومة الحكومية نفسها ، فالعديد من الكوادر الطبية والإدارية تواصل أداء واجبها بتفانٍ استثنائي، مستخدمة الموارد المتاحة بأقصى كفاءة. ومع ذلك، فإن التفاني البشري وحده لا يمكنه أن يسد الفجوة الهائلة التي يخلقها قصور التمويل الهيكلي.

ولتحقيق توازن أكثر عدلاً، يتطلب الأمر إصلاحات هيكلية تبدأ بتعزيز الشفافية والمساءلة في الإنفاق الحكومي على الصحة ، لذلك يجب أن تكون ميزانيات المستشفيات شفافة وقابلة للمراجعة لضمان أن كل دينار يتم إنفاقه يصب مباشرة في مصلحة المريض، وليس في جيوب الفاسدين أو عبر ممرات بيروقراطية معقدة. كما أن التنويع في مصادر التمويل، من خلال الشراكات الاستراتيجية مع القطاع الخاص ، أو تطوير آليات تأمين صحي اجتماعي قوية، يمكن أن يخفف الضغط عن الموازنة العامة للدولة.

بالإضافة إلى ذلك، يجب الاستثمار في الرقمنة وتحسين الإدارة اللوجستية. فإستخدام التكنولوجيا لتتبع المخزون الطبي وإدارة مواعيد المرضى يمكن أن يقلل من الهدر ويزيد من كفاءة استخدام الموارد المحدودة المتاحة، مما يتيح توجيه أموال إضافية نحو الاحتياجات العلاجية المباشرة.

في الختام، لا يمكن إنكار أن المال يلعب دورًا محوريًا في تحديد جودة وسرعة الرعاية الصحية المقدمة في المستشفيات الحكومية. عندما يتجاوز التفكير المالي ضوابط الأخلاقيات الطبية الأساسية، لتتحول الحياة إلى سلعة تخضع لقوانين العرض والطلب المالي، وهذا هو الخطر الأكبر الذي يهدد النسيج الاجتماعي. فالحفاظ على كرامة الإنسان وحقه في الحياة يتطلب التزامًا حكوميًا غير مشروط بتمويل هذه المؤسسات بشكل يمكنها من توفير رعاية تليق بكرامة المريض، بعيدًا عن التأثير المباشر والمميت للقيود المالية. ويجب أن يظل المال وسيلة لتحقيق العافية، وليس غاية لتحدد مصير المرضى.