" إعلاميون " عابرون للحدود ضد الأردن

تحليل خاص / بلكي نيوز
يشهد المشهد الإعلامي العربي الإقليمي في العقدين الأخيرين تحولات جذرية، أبرزها صعود منصات إعلامية ( ربما لهواة الإعلام ) ولكن هناك من يحركهم وقد انشأت لغرض ما كي تتجاوز فيه الحدود الجغرافية التقليدية للدول، مما أتاح لمجموعة من الأفراد، ممن يمكن وصفهم بـ " الإعلاميين العابرين للحدود " فرصة للتأثير المباشر في الرأي العام العربي. ومع تزايد حدة الاستقطاب السياسي والمجتمعي في المنطقة، تحولت بعض هذه المنصات إلى أدوات لشن حملات هجومية لاذعة ضد دول بعينها، ويأتي الأردن في مقدمة الدول التي تتعرض لهذا النوع من الهجمات المنظمة والممنهجة، لذلك فإن فهم طبيعة هذه الهجمات ودوافعها، وتأثيراتها على صورة الدولة الأردنية يتطلب تحليلاً معمقاً لطبيعة الإعلام الجديد وتحديات السيادة الإعلامية في العصر الرقمي الحديث .
وتتسم ظاهرة هؤلاء " الإعلاميين " بأنهم غالباً ما يعملون بمنصات لا تخضع بالضرورة للقوانين الإعلامية المحلية للدول التي ينتقدونها، أو أنهم يستغلون المناخ العام الذي يسمح بحرية التعبير المفرطة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
إن الأردن بمركزيته الإقليمية، ومواقفه السياسية الحساسة تجاه قضايا محورية كالقضية الفلسطينية، والتعامل مع ملفات الأمن الإقليمي، يجعله هدفاً رئيسياً لهذه الانتقادات، والتي تتنوع بين التعرض للشأن الداخلي، كالحوكمة الاقتصادية ومحاربة الفساد، وبين استهداف رمزية الدولة ومؤسساتها، وخاصة المؤسسة الملكية.
وتتعدد الدوافع وراء هذه الهجمات الإعلامية العابرة للحدود، وأحد أبرز الدوافع هو التوظيف السياسي ، فبعض الجهات الإقليمية أو الدولية تسعى إلى استخدام هؤلاء الإعلاميين كوكلاء غير رسميين لتوجيه رسائل سياسية مبطنة إلى عمّان، غالباً ما تكون مرتبطة بخلافات سياسية أو استراتيجية بعيدة عن الأجندة الوطنية الأردنية المباشرة. فعندما تتغير موازين القوى أو تتغير التحالفات الإقليمية، غالباً ما نشهد تصعيداً في وتيرة الهجمات الإعلامية التي تهدف إلى إضعاف الموقف التفاوضي للأردن أو الضغط عليه لتغيير مسار سياساته.
علاوة على ذلك، تلعب الحسابات الاقتصادية دوراً محورياً، فالإعلام الذي يعتمد على جذب المشاهدات والنقرات عبر الإثارة والجدل يحقق أرباحاً أعلى.
والأردن نظراً لاستقراره النسبي مقارنة ببعض دول الجوار، يصبح مادة خصبة لتضخيم المشكلات الصغيرة وتحويلها إلى أزمات كبرى من أجل تحقيق الانتشار والاستهداف الغير بريء بحيث يتم التركيز أحياناً على قضايا مثل الفقر أو البطالة أو أي ملف داخلي يمكن تضخيمه ليشكل مادة دسمة لبرامج التحليل التي تفتقر إلى السياق الأردني المعمق.
ومن الناحية التكتيكية، تعتمد هذه الهجمات على استراتيجية تشويه السردية الوطنية. فبدلاً من تقديم نقد بناء، يلجأ بعض الإعلاميين إلى بث معلومات مغلوطة أو انتقاء لقطات خارج سياقها بهدف تصوير الأردن كدولة فاشلة أو غير قادرة على إدارة شؤونها، على سبيل المثال يتم تضخيم قضايا الاحتجاجات أو الأزمات الأمنية العابرة، وإخراجها من سياقها الإقليمي المعقد الذي يتميز به الأردن، وتقديمها على أنها دليل على انهيار وشيك أو تمركز لحكم قمعي، هذا التكتيك يستهدف بشكل خاص الشرعية الداخلية للمؤسسات القائمة عبر تقويض ثقة المواطنين في القيادة.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه الأردن في التعامل مع هذه الظاهرة يكمن في الحفاظ على التوازن الدقيق بين حماية أمن الدولة ومصالحها، وبين الالتزام بمبادئ حرية التعبير التي ينادي بها المجتمع الدولي، والتي يتبناها الأردن دستورياً. ومحاولات الرد المباشر من قنوات رسمية تواجه اتهامات فورية بالديكتاتورية أو محاولة إسكات المعارضة، حتى لو كانت المعارضة خارجية ومغرضة.
لذلك لابد أن يكون التوجه الأردني الأكثر فعالية هو بناء جدار مناعة داخلي، من خلال العمل على تعزيز الثقافة الإعلامية لدى المواطنين، وتفعيل دور الإعلام الوطني الرسمي والخاص في تقديم السردية البديلة والواقعية. وهذا يتطلب إنتاج محتوى عالي الجودة، مدعوم بالحقائق والأرقام، قادر على منافسة المحتوى المثير الذي يبثه الإعلام العابر للحدود. كما يتطلب الأمر دبلوماسية إعلامية نشطة تشرح المواقف الأردنية المعقدة في ملفات المنطقة، خاصة فيما يتعلق بملف اللاجئين، والتعامل مع التحديات السياسية والأمنية التي تفوق قدرات أي دولة صغيرة بمفردها.
في الختام، تمثل ظاهرة الإعلاميين العابرين للحدود الذين يهاجمون الأردن انعكاساً للتحولات الجيوسياسية والإعلامية في المنطقة، هذه الهجمات، المدفوعة بأجندات سياسية أو مكاسب مادية مغرية ، تشكل ضغطاً مستمراً على الدولة الأردنية. ومع ذلك، فإن قدرة الأردن على الصمود تظل مرتبطة بمدى تماسكه الداخلي، وقدرته على إدارة الحوار الوطني بفاعلية، واستخدام أدواته الإعلامية والدبلوماسية لترسيخ حقيقة أن الدولة الأردنية، بكل تحدياتها، تظل كياناً استراتيجياً محورياً يسعى لتحقيق الاستقرار في منطقة مضطربة.
فالتصدي الفعال لهذه الهجمات لا يكون بالمنع القسري، بل بتقديم بديل إقناعي وموثوق يستند إلى الحقائق والشفافية ومواجهة الواقع .















