فرز النفايات من المصدر استراتيجية وطنية لتعزيز الاقتصاد الدائري وحماية البيئة في الأردن

يشكل الفرز من المصدر للنفايات الصلبة غير الخطرة خطوة محورية لتحويل النفايات من عبء بيئي إلى موارد اقتصادية واجتماعية مستدامة في الأردن ضمن جهود المملكة لتعزيز الاقتصاد الأخضر وتطبيق مفاهيم التنمية المستدامة.
ويأتي هذا التوجه انسجاما مع رؤية التحديث الاقتصادي وحرص الحكومة على رفع كفاءة استخدام الموارد ودعم الصناعات المحلية وخلق فرص عمل جديدة في المجتمعات المحلية.
وأكد خبراء بيئيون لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن الفرز من المصدر يعد أحد أهم أدوات الإدارة المتكاملة للنفايات لما له من أثر مباشر في تقليل كميات النفايات المرسلة إلى المكبات وتحسين كفاءة إعادة التدوير وتعزيز الاقتصاد الدائري، فضلا عن دوره في حماية البيئة وتحسين جودة الحياة، مشددين على أهمية تكامل الأدوار بين الجهات الرسمية والقطاع الخاص والمجتمع المحلي لضمان نجاح واستدامة هذه المنظومة.
وقالت الناطقة الإعلامية باسم وزارة البيئة المهندسة شروق أبو طالب، إن تعليمات المتطلبات البيئية والفنية لفرز المواد القابلة لإعادة التدوير من النفايات الصلبة غير الخطرة لسنة 2025، تهدف إلى تعزيز منظومة إدارة النفايات في المملكة وتحقيق أبعاد اقتصادية واجتماعية وبيئية متكاملة.
وأضافت إن التعليمات تشجع القطاع الخاص على الاستثمار في إدارة النفايات وتطبيق مفاهيم الاقتصاد الدائري، ما يقلل الكلف التشغيلية المرتبطة بجمع ونقل وفرز النفايات ويرفع كفاءة استثمار الموارد المالية ويحد من الضغط على المكبات من خلال تحويل جزء كبير من النفايات إلى مواد أولية لصناعات التحويل.
وأوضحت أبو طالب، أن التعليمات تسهم في خلق فرص عمل جديدة في مجالات الفرز وإعادة التدوير والنقل وتساعد على دمج العاملين في القطاع غير الرسمي ضمن منظومة رسمية من خلال زيادة عدد الشركات المزودة للخدمات المعتمدة، مؤكدة أن تحسين إدارة النفايات ينعكس إيجابيا على جودة الحياة والبيئة السياحية من خلال الحد من ظاهرة الإلقاء العشوائي للنفايات وتحسين نوعية الهواء والمياه وتقليل تراكم النفايات في المناطق الطبيعية.
ولفتت إلى أن التعليمات تضمن آليات رقابية صارمة، تشمل إلزام منتجي المواد القابلة لإعادة التدوير ومزودي الخدمات بتقديم جميع الوثائق والسجلات المتعلقة بالكميات والعقود والوصولات خلال مدة لا تتجاوز 30 يوما وتقديم تقارير سنوية للوزارة، والالتزام بنظام المعلومات والرقابة البيئية، بما في ذلك التسجيل على النظام الإلكتروني وإعداد خطط إدارة نفايات معتمدة للمتابعة والتقييم.
من جهته، قال الرئيس التنفيذي للمركز الوطني للعدالة البيئية الدكتور محمد عيادات، إن الفرز من المصدر يعد الركيزة الأساسية لنجاح برامج إعادة التدوير، إذ يضمن فصل المواد القابلة لإعادة التدوير بدرجة نقاوة عالية ويزيد من قابليتها للمعالجة والاستخدام كمادة خام ثانوية، موضحا أن الفرز اللاحق في المحطات المركزية غالبا ما يؤدي إلى تلوث المواد وتقليل العائد الاقتصادي، ما يجعل الفرز من المصدر خطوة أساسية لتحقيق الكفاءة والجدوى الاقتصادية.
وأشار عيادات إلى التجارب الدولية الناجحة، مبينا أن ألمانيا والسويد وكوريا الجنوبية تعتمد الفرز الإلزامي من المصدر منذ عقود، محققة نسب إعادة تدوير تصل إلى 60–70 بالمئة من إجمالي النفايات الصلبة.
وأكد أن الفرز من المصدر لا يقتصر على كونه إجراء تنظيميا، بل يشكل ركيزة بيئية واقتصادية ومجتمعية، إذ يقلل من كميات النفايات المرسلة إلى المكبات ويحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، ويوفر فرص عمل جديدة ويعزز الاقتصاد الدائري من خلال الاستفادة من المواد الثانوية وتقليل الاعتماد على المواد الخام المستوردة.
وقال عيادات، إن التعليمات الجديدة توفر إطارا قانونيا وتنظيميا مرنا يسمح بالتدرج في الالتزام وفق حجم إنتاج النفايات، ما يسهم في خفض كلف النقل والتخزين والمعالجة ويحفز الاستثمار في إعادة التدوير، رغم ضرورة تطوير حوافز مالية واضحة لدعم الشركات والمواطنين الملتزمين بتطبيق برامج إعادة التدوير.
بدورها، قالت الخبيرة البيئية والاجتماعية المهندسة نيرمين أبو شاويش، إن الفرز من المصدر يشكل الركيزة الأساسية لنجاح الاقتصاد الدائري من الناحيتين الهندسية والبيئية، إذ يمنع التلوث الخلطي بين النفايات العضوية والمواد القابلة للتدوير ويحافظ على قيمتها الفنية والسوقية.
وبينت أن النفايات العضوية تشكل نحو 50–60 بالمئة من إجمالي النفايات البلدية في الأردن وأن عزلها فورا يضمن بقاء المواد الأخرى جافة ونظيفة وقابلة لإعادة التدوير بكفاءة أعلى.
ولفتت أبو شاويش الى أن الفرز اللاحق للنفايات المختلطة يتطلب طاقة وجهدا كبيرين باستخدام معدات متخصصة أو عمالة كثيفة، وغالبا ما تكون نتائجه أقل دقة وأعلى كلفة، مؤكدة أن الفرز من المصدر يقلل كلف النقل والردم ويحول جزءا كبيرا من النفايات مباشرة إلى مصانع التدوير ويزيد إنتاج مواد أولية عالية الجودة، مثل بالات الورق والبلاستيك التي تدعم الصناعات التحويلية المحلية وتعزز فرص التصدير.
وأكدت أبو شاويش أن نجاح منظومة الفرز يعتمد على تكامل جهود الجهات الرسمية والقطاع الخاص والمجتمع المحلي، ويحقق أثرا إيجابيا طويل الأمد على البيئة والاقتصاد والمجتمع ويعكس التزام الأردن بتحقيق أهداف التنمية المستدامة وتعزيز الاقتصاد الأخضر، مع تطوير الصناعات المحلية وتحسين جودة الحياة في المجتمعات الحضرية والريفية على حد سواء















