عاجل | بلكي نيوز تقدم قراءة برسم الداخل الأردني … الجهد الأردني لوقف العدوان على غزة … الروافع والاستعصاءات والمخاطر.

أسدل الستار على القمة العربية الإسلامية المشتركة الطارئة التي عقدت يوم أمس في العاصمة السعودية الرياض، والتي صدر عنها بيان مشترك يمكن وصفه بأنه تجاوز السقف المعتاد ، لكن دون أن يرتقي إلى المستوى المطلوب.
الحضور الأردني في القمة كان لافتاً، سواء لجهة سقف الموقف الذي عبّر عنه خطاب الملك في القمة و مقارباته للأزمة والمآلات والحلول ، أو لجهة التفاعل واللقاءات والضغط للخروج بقرارات تليق بحجم الحدث الجلل؛ العدوان الصهيوني الدموي على غزة ومساعي تمرير المشروع القديم المتجدد في فلسطين والمنطقة.
مشاهدتان لابد من الوقوف عندهما عند الحديث في سياقات ومآلات الجهد الأردني الكبير الذي بذل من اليوم الأول لمنع العدوان وكبح تداعياته المدمرة؛
تشابك الملفات ، والاستعصاءات والمحاذير .
في الملفات المتشابكة في الحدث الحالي نقرأ بوضوح حجم الاصطفاف حول الحدث سواء بمفهومه المباشر أو بعناوينه العريضة التي تمتد لأكثر من سبعة عقود هي عمر الاحتلال والصراع العربي الصهيوني والظلم الواقع على الأشقاء في فلسطين ، وفيما تجلى بوضوح أن القضية أكبر من معركة بين جيش الاحتلال وفصائل المقاومة في غزة ، برز أيضاً غياب قدرة حقيقية أو رغبة وجهد فعال من قبل الأطراف الدولية أو الإقليمية الوازنة لضبط المشهد ومنع الانفجار أو تصاعد الأزمة ، فكان لافتاً الموقف الأمريكي الداعم بل الشريك إلى جانب حكومة الاحتلال من اللحظة الأولى والذي جر بمعيته مواقف الدول الأوروبية الوازنة بما فيها تلك التي كانت في السابق تبدي أحياناً تمايزاً ولو بالخطاب عن موقف واشنطن في الاستحقاقات الكبيرة المشابهة، مايعزز بالمناسبة الفكرة القائلة بأن أوروبا بشكلها الحالي تقترب شيئاً فشيئاً لتبوء مكانة هامشية ضمن مراكز النفوذ والتأثير على مستوى العالم، وكان لافتاً أيضاً ولا زال عدم الانخراط المباشر في المشهد من قبل روسيا والصين رغم الأهمية القصوى للمنطقة بالنسبة للطرفين ، وفي المنطقة برز أيضاً موقف تركي مرتبك وضعيف ومخالف حتى للحدة والسقف في الخطاب الذي تنتهجه حكومة الرئيس أردوغان في الاستحقاقات والتجارب المشابهة ، وكذا مواقف بعض الدول العربية الوازنة وذات التأثير . كل ذلك إضافة الى المشاركة المباشرة للأمريكي وبعض دول الغرب عبر إرسال البوارج والقطع البحرية وإمداد الكيان بالمال والسلاح والذخيرة يؤكد أن الموضوع أكبر بكثير من حصره في فلسطين المحتلة او الجوار فحسب، بل يمتد ليلامس مقاربات وحسابات ومشاريع الدول العظمى ، بل ويمكن القول أنه يشكل عنصر تأثير لايستهان به في إطار تبدلات المشهد الدولي والصراع على النفوذ في العالم برمته ، وفي فرض المشاريع المتنافسة في منطقتنا بالذات.
في ضوء كل ذلك ورغمه اقتحم الأردن المشهد وقرر خوض معركة الأردن وفلسطين في مواجهة العدوان والتهديد المباشر والضغوط ومخاطر المخطط الأكبر والذي ابتدء بمحاولات فرض التهجير.
في الاستعصاءات ليس خافياً على أحد أن الأردن قد واجه كثيراً من الضغط ، وسار في مايشبه حقل الألغام ضمن محاولاته - مرتفعة السقف - كبح التصعيد ومنع الأمور من الانزلاق ورفض كل مايمكن أن يسهم في تمرير مشروع التهجير ، فعانت الدبلوماسية الأردنية في محاولاتها إحداث خرق في جدار الواقع المتأزم غياب ظهير دولي مساند بل وعدم وجود طرف وسيط يملك خطوطاً مفتوحة في الاتجاهات المطلوبة ، حيث تغيب كل من روسيا والصين، وتتخذ عواصم التأثير الأوروبية فضلاً عن واشنطن موقفاً واضحاً في صف كيان الاحتلال، وهو ذات الواقع إقليمياً وعربياً ، حيث شكل ضعف الموقف التركي ووجود مقاربة مختلفة للموقف الإيراني إعاقةً للجهود الأردنية ، فضلاً عن الموقف العربي المنقسم في معظمه بين العاجز أو الضعيف أو المعاكس للموقف الأردني حيث ظهرت علامات رضىً وربما تمني عند البعض تجاه أهداف ومخطط العدو في غزة، ناهيكم عن غياب قدرة دول مهمة مثل سورية والعراق على التأثير الوازن في المشهد وإن عبرت عن مواقف كان يمكن البناء عليها ، فكان الخيار ، إلى جانب التنسيق المرتفع مع الشقيقة الكبرى مصر التي تتخذ موقفاً مشرفاً أيضاً، بالتحرك باتجاه عواصم عربية وعالمية في محاولة لشرح الموقف الأردني وتحقيق اختراقات واستنفار الجهود انطلاقاً من ضرورة تبني الفهم الأردني العميق لمخاطر الواقع ومآلاته المدمرة.
الخيار الأردني ، الذي عبّر عنه مبكراً ما أسميناه في قراءة سابقة بالاستنفار الدبلوماسي الفوري ، شمل أيضاً بناء مقاربة لكل زوايا الحدث والمساقات المتأثرة والمؤثرة فيه، فلوحظت تجلياته في الخطاب السياسي المتصاعد والحازم الجاد ، وفي التعاطي الإعلامي مع الحدث والذي بلغ حدود الاستنفار ايضاً ، وفي فتح كل الخطوط على الشقيقة مصر وعلى السلطة الفلسطينية ، وفي المسارعة إلى تقديم المساعدات إلى الأشقاء المحاصرين في قطاع غزة، وإسناد الضفة الغربية التي تعاني ظروفاً أمنية واقتصادية صعبة ، ولعل أكثر مايجب الوقوف عنده وقراءته بمنظور استراتيجي عميق هو إرسال وفهم موجبات إرسال قافلة الطحين والأدوية إلى الضفة الغربية رغم رفض الاحتلال ومحاولاته كبح هذه الخطوة المهمة، والإنزال الجوي العسكري الأردني المتكرر لمساعدات وأدوية (للمستشفى الميداني الأردني 75) في قطاع غزة ، والذي يأتي في سياق جهد مستمر منذ نحو عقد ونصف لإسناد أهلنا في غزة .
يدرك الأردن أن هذا الجهد وهذه الخطوات وغيرها لاتلقى قبولاً لدى كثير من الأطراف ، يعتبر بعضها حليفاً للأردن، بما يعنيه ذلك من احتمالات ردود فعل سلبية بهدف إخضاعه للمشاريع القادمة وخنقه أكثر فأكثر لاحقاً ، سيما وقد حقق الأردن اختراقات في مساحات حساسة ، حيث ساهم الجهد الأردني في كبح محاولات الانحدار بسقف مخرجات قمة الأمس التي ضغطت واشنطن بشكل مباشر وعبر أدواتها لإخراجها قمةً خالية من الدسم تماماً ، كما كان سقف الخطاب الرسمي المرتفع و نجاحه في اختراق الرأي العام العالمي وبمفردات لاترُق لمعسكر واشنطن - "تل أبيب" ، كالتهديد الواضح بمواجهة مخطط التهجير بوصفه إعلان حرب على الأردن، والتأكيد على أن مايحصل هو عدوان وجريمة حرب ولايصح تغطيته عبر سردية الدفاع عن النفس ، وأن المشكلة الحقيقية تكمن في الاحتلال وتمتد لأكثر من سبعة عقود ، وأن الحل الجذري هو بمنح الفلسطينيين حقوقهم ، والأعمق من كل ذلك هو رفض المقاربة الصهيونية الغربية للحدث وأطرافه، المقاومة بالذات، كما التحذير الشديد الذي أطلقه الملك من اتساع رقعة الصراع ومن خطر انفلات مارد التطرف والإرهاب في المنطقة أو الانزلاق إلى خانات صراع الإديان.
رغم ماتفرضه التبدلات على مستوى العالم والمنطقة من حذر في التحرك في مشهد يجعل الواقع السياسي في المنطقة اليوم أشبه بحفرة رمالٍ متحركة لن تسكن قبل أن ترسم ملامح الاصطفاف والنفوذ وتكريس المشاريع،
لم يخشى الأردن تبعات موقفه على الحسابات والمصالح المباشرة ، بل اختار تلبية متطلبات المصلحة الاستراتيجية ، وحسناً فعل، حيث لاخيار سوا مواجهة المخاطر والمخططات استناداً إلى قوة الحق وعزيمة الأردنيين والقدرة على التأثير وعلى حماية الوطن مهما بلغت التهديدات والمحاذير، فليس مطروحاً الاستسلام أو الرضوخ وترك الأشقاء في غزة لقدرهم في مواجهة آلة القتل والتدمير الصهيونية، أو الاستسلام للمآلات المفترضة للحدث حيث تنحصر الخيارات وقتها في انتصار العدو والإجهاز على القطاع ومقاومته ومستقبل أبنائه وتحقيق مشروعه المدمّر على القضية الفلسطينية والأردن ، أو استمرار العدوان وبالتالي اتساع رقعته إلى الحد الذي يصعب التنبؤ به ، بما يحمله ذلك من مخاطر على المنطقة ،والأردن في قلبها، حيث تفرض الجغرافيا إيقاعها الذي سيكون خطيراً بشكل هائل على البلاد.
وانطلاقاً من هذا الفهم يمكن الرد على أصحاب مقولة "أن الأردن سيعاقَب أمريكياً وغربياً ويدفع ثمناً باهظاً على موقفه الصلب واختياره المواجهة" ؛ حيث على هؤلاء أن يدركوا أن للموقف الأردني أرجلٌ ومخالب ، وأن السياسات الهادئة لاتنسحب على التهديدات أو الملفات المفصلية الحساسة ، وبدل الاصطياد والتشكيك فليكونوا جزءً من المعركة إلى جانب الوطن الذي ينتظر من كل أبنائه موقفاً واستعداداً واسناداً يعزز المواقف ، أقلّه عبر مواجهة خطاب التشتيت والتشكيك والفتنة، وتعرية المصطادين في الماء العكر وأصحاب الحسابات الفئوية الضيقة.
وفيما تسجل الدبلوماسية الأردنية التي يقودها "القصر" تاريخياً ، والتي تقرأ بحكمة مخاطر التقافز أو المراهنة على سيرورة التكتلات الآخذة في التعمق والتي ترى مصلحةً في اهتزاز اركان قواعد النظام العالمي القائم ، تماماً كما تقرأ الخطر الحقيقي المتربص غربي النهر ، حيث العدو وصيرورته هو الخطر وليس شكل أو شخوص حكومته هذه أو تلك ؛ ننتظر أن تنحاز الحكومة والإعلام الرسمي أكثر نحو مقاربة إعلامية تعتمد المكاشفة وتوضيح الحقائق التي تتعلق بالواقع وبالمخاطر والمحاذير وتذكّر كلاً منا بمهامه وواجباته التي تفرضها "المعركة" التي نخوضها.


















